غالبًا ما يُنظر إلى ناخبي الطبقة العاملة في شمال فرنسا على أنهم قاعدة طبيعية لزحف اليمين المتطرف، الذي حقق مكاسب كبيرة في هذه الأوساط، لكن الانتخابات المحلية شهدت مقاومة شيوعية. لقد كشفت الانتخابات عن نتائج متباينة: تقدم بطيء وثابت لليمين المتطرف، ولكن أيضاً مؤشرات على عودة حضور اليسار، الذي اثبت على قدرته على المواجهة.
بلدية ميريكور
كان مشروع التجديد الحضري أحد أبرز مشاريع رئيس البلدية السابق الشيوعي المخضرم برنارد بود، شغل بود، البالغ من العمر 54 عامًا، منصب رئيس البلدية بين عامي 2002-2026، خلفًا لرفيقه للياندري ليتوكارت، الذي ترأس البلدية لأكثر من ثلاثة عقود. ميريكور، التي يبلغ عدد سكانها حوالي 12ألف نسمة، صوتت للحزب الشيوعي في كل انتخابات بلدية منذ عام 1919، مما يجعلها واحدة من أقدم البلديات التي يديرها الحزب الشيوعي الفرنسي في جميع أنحاء البلاد.
حافظ الحزب الشيوعي على موقعه في جولة الانتخابات الأولى في 15 اذار. فاز فابريس بلانك، نائب بود، بنسبة 57,15 في المائة. وعلى الرغم أن الفوز لم يكن ساحقًا كما كان عليه الحال في انتخابات بود السابقة عام 2020، حيث انتُخب بنحو ثلثي الأصوات، إلا أنه اثبت قدرة الشيوعيين على الاستمرار.
في بلديات مثل ميريكور، يُنظر إلى صعود حزب التجمع القومي اليميني المتطرف على أنه شبه حتمي. ولكن تمكنت القيادات المحلية اليسارية، في الغالب الحفاظ على مواقعها، وفي بعض الحالات حققت مكاسب جديدة. لم تُفضِ الانتخابات البلدية التي أُجريت في جميع أنحاء فرنسا يومي 15 و22 آذار إلى مسيرة النصر التي توقعها العديد من المحللين لحزب التجمع القومي.
جدار للحماية
في السنوات الأخيرة شكّل شمال فرنسا، الذي كان يوما منطقة صناعية ميدان انتخابياً رئيسياً لحزب التجمع القومي وطني. ففي الانتخابات البرلمانية لعام 2024، حقق التجمع القومي فوزاً ساحقاً في الدائرة التي تقع فيها ميريكور، متفوقاً بسهولة وبفارق 13 نقطة على مرشح الحزب الشيوعي الفرنسي.
في ميريكور هذا العام، لم يشارك اليمين التقليدي، مما مهد الطريق لمنافسة ثنائية بين بلانك من الحزب الشيوعي الفرنسي ولوران داسونفيل من حزب التجمع القومي، وهو عضو مجلس محلي معارض ومساعد برلماني لأحد المقربين من مارين لوبان. وقد انتاب الكثيرين قلق من أن تؤدي هذه العوامل مجتمعة إلى نهاية قرن من الإدارة الشيوعية للبلدية، لكن في النهاية خسر مرشح اليمين المتطرف.
شهدت بلديات المنطقة نتائج مماثلة. ففي روفروي فازت فاليري كوفيلييه مرشحة الحزب الشيوعي؛ وفي رو، فاز الشيوعيون بأكثر من 70 في المائة من الأصوات. أما في أفيون ولانس المجاورتين، فقد احتفظ كل من الحزب الشيوعي والاشتراكي بمواقعهما.
تتكرر هذه النتائج في أماكن عديدة من البلاد أيضاً. فازت القوائم الانتخابية التي يقودها الحزب الشيوعي الفرنسي في سبع وثلاثين بلدية في أنحاء فرنسا، من بلدة سانت إتيان أو مون الصغيرة في الشمال إلى مارتيغ في الجنوب. وفي نيم، جنوب فرنسا، تمكنت قائمة يقودها الشيوعيون من صد جوليان سانشيز من حزب التجمع القومي، لتصبح المدينة أكبر مدينة في فرنسا يديرها الحزب الشيوعي الفرنسي، وثاني أكبر بلدية شيوعية في أوروبا بعد غراتس في النمسا. بالإضافة الى ذلك شارك الحزب الشيوعي في قوائم اليسار التي تقودها أحزب حليفة، لكن الإعلام التقليدي يعمل على إهمال دور الشيوعيين، من خلال الإشارة الى هوية المرشح اليساري الحزبية، فيقول فاز المرشح الاشتراكي، او عضو حزب فرنسا الأبية، مرشح اليسار المستقل، في حين أن الفائزين هم مرشحون لتحالفات اليسار المختلفة، التي كان الشيوعيون قاسما مشتركا في أغلبها. من جانبه، فاز حزب التجمع القومي في سبع وأربعين مدينة وبلدة في أنحاء فرنسا، بما في ذلك العديد من المدن في منطقة التعدين السابقة.
على الصعيد المحلي، أثبت الشيوعيون أنهم بمثابة جدار حماية غير متوقع في انتخابات توقع العديد من المراقبين تحولها بشكل حاد لصالح حزب التجمع القومي بزعامة لوبان. وأوضحت ماريون فونتين، أستاذة العلوم السياسية في معهد الدراسات السياسية بباريس، والتي بحثت دور أندية كرة القدم كمؤشرات على تضامن الطبقة العاملة في شمال فرنسا: "لا يسيطر التجمع القومي فعلياً على عدد كبير من المجالس البلدية. صحيح أن لديه أعضاء في البرلمان، لكن هذا ليس هو الحال في البلديات". وأضافت: "الناس يوزعون أصواتهم. فهم لا يصوتون بالضرورة بنفس الطريقة على المستوى الوطني كما يفعلون في الانتخابات البلدية".
لقد تراجع نفوذ الحزب الشيوعي الفرنسي، تدريجيا في جميع أنحاء فرنسا، بعد ان كان أحد أهم الأحزاب السياسية طيلة العقود التي سبقت الحرب العالمية الثانية، والعقود التي تلتها، لكن على المستوى المحلي، تمكنت العديد من المجالس البلدية ورؤساء البلديات الشيوعيون من الحفاظ على مواقعهم، على الرغم من أن الخوف، بلغ ذروته، من توسع نفوذ حزب التجمع القومي في الشمال، ففي هذه المنطقة، أدى التراجع الصناعي، وتزايد التفكك الاجتماعي، الى تنامي نفوذ حزب التجمع القومي، حتى في بعض من معاقل الحزب الشيوعي الفرنسي.
بالنسبة لبلديات مثل ميريكور، لم تكن الانتخابات البلدية مجرد استفتاء على من سيتولى منصب العمدة للسنوات الست المقبلة، بل كانت اختبارًا لمعرفة ما إذا كانت التوجهات القومية المتنامية منذ فترة طويلة قد امتدت بالفعل إلى سباقات رئاسة البلديات المحلية. قال بلانك، العمدة المنتخب حديثًا لميريكور "في مدينة كهذه، السياسة تدور حول المدرسة، والصالة الرياضية، والشوارع التي يسير فيها الناس كل يوم. هذه الانتخابات لا تتعلق فقط بتغيير العمدة، بل بنوع المدينة التي نريد أن نكونها". وقد سلطت حملة بلانك الناجحة في نهاية المطاف الضوء على سجل العمدة المنتهية ولايته، بود، بما في ذلك الاستثمارات في الأنشطة الثقافية، ومبادرات التعليم الشعبي، ومشاريع الإسكان العام. من جهة أخرى، انتقد مرشح اليمين المتطرف داسونفيل مؤسسة الثقافة الشعبية لما اعتبره إسرافاً في الإنفاق على البرامج الثقافية، وارتفاع الضرائب، وانعدام الأمن. وأشار إلى أنه لو انتُخب، لكان جمّد ميزانية الثقافة لضبط الإنفاق.
قال لو مازيل، أحد العاملين في المكتبة العامة: "السمة المميزة هنا هي أن كل شيء مجاني. تأتي إلى المكتبة، فتجدها مجانية. تشاهد فيلمًا، فتجده مجانيًا. تشاهد مسرحية، فتجدها مجانية". ويضيف أن هذا إرث مباشر لاستراتيجية الحزب: ان "الحزب الشيوعي الفرنسي، ليس مجرد حزب سياسي، بل هو منظومة متكاملة من المنظمات الثقافية والاجتماعية.
أثبت الاستثمار في الثقافة والرعاية الصحية والتعليم والإسكان فعاليته في مواجهة اليمين المتطرف. وقال فونتين، من معهد العلوم السياسية: "لقد نجح رؤساء البلديات هؤلاء، بواسطة الاستثمار في مجالات تقليدية للغاية، لا سيما الحياة والمنظمات الاجتماعية. لقد تمكنوا من الحفاظ على روح البلدية التقليدية، وبالإضافة الى مخاطبة قاعدتهم الشعبية القديمة، تمكنوا في الوقت نفسه من مخاطبة اوساط جديدة من الناخبين.
لم تكن استراتيجية اليسار ناجحة دائمًا. ففي بعض الحالات، كما هو الحال في مدينة هينين-بومون المجاورة، أدى سوء إدارة البلدية والمحسوبية إلى فتح الباب أمام اليمين المتطرف. في عام 2014، انتُخب ستيف بريوا، المرشح المدعوم من لوبان، رئيسًا لبلدية هينين-بومون، خلفًا لرئيس البلدية الاشتراكي السابق جيرار دالونجفيل، الذي سُجن لاحقًا لمدة أربع سنوات بتهمة الاختلاس. خلال فترة ولايته، كان قد قلّص الأموال المخصصة لدعم الثقافة ودفع بعض الجهات الفاعلة في المجتمع المدني إلى مغادرة المدينة، بينما كان في الوقت نفسه يُركّب كاميرات مراقبة ويعيد استثمار الأموال في شرطة البلدية.
تصدّع اجتماعي
في حملته للسيطرة على دوائر الشمال، سعى اليمين المتطرف إلى استغلال التحولات الديموغرافية والنسيج الاجتماعي المتصدع. أشارت فونتين، من معهد العلوم السياسية، إلى أن "آخر المناجم أُغلقت عام ١٩٨٦". وأضافت: "هذا يعني أننا اليوم في وضع يعود فيه إغلاق المناجم إلى أربعين عامًا مضت. ولا يمثل الناخبون اليوم إلا نسبة ضئيلة ممن كان لهم صلة مباشرة بالتعدين". وتابعت: "ليس الأمر كما لو أن عمال المناجم الشيوعيين قرروا فجأة التصويت لليمين المتطرف".
وأكدت أن شمال فرنسا شهد موجة أولى من التراجع الصناعي في ستينيات وسبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، حيث تم نقل أنشطة التعدين القائمة منذ زمن طويل إلى الخارج وإغلاق المناجم. ثم ضربت موجة ثانية في تسعينيات القرن العشرين والعقد الأول من الألفية الجديدة عندما تلاشت الصناعات الثقيلة التي أُدخلت لتحل محل المناجم، مما أجبر الحكومات المحلية على "إدارة التراجع الصناعي" مرة ثانية. ومع هجرة الصناعة، استقرت مجموعات سكانية جديدة بينما غادرت المجموعات العمالية القديمة. وكان السكان الجدد أقل ارتباطًا بالبنى المدنية التي أُرسيت على مدى عقود، وفي بعض الحالات لأكثر من قرن، من الإدارة الشيوعية وهوية عمال التعدين الخاصة.
قال بلانك: "يشعر الناس بأنهم مهجورون. عندما تغلق المصانع، وعندما تختفي الخدمات، يبحث الناس عن شخص يقول إنه يملك إجابات بسيطة". وتضيف فونتين أن تباين التصويت بين الانتخابات الوطنية والمحلية في أماكن مثل ميريكور هو جزء من اتجاه أوسع في معظم أنحاء شمال فرنسا.
ويرى لو مازيل أن "تراكم عوامل عديدة"، من بينها التغطية الإخبارية على مدار الساعة، والانقسامات داخل اليسار، وتغير ملامح حزب لوبان، قد أدى إلى تآكل هيمنة اليسار في شمال فرنسا. وبشكل عام، تحول الرأي العام بشكل جذري لصالح اليمين المتطرف، حيث أعرب ما يصل إلى 42 في المائة من الناخبين الفرنسيين عن استعدادهم للنظر بإيجابية إلى فوز حزب التجمع القومي في الانتخابات المحلية. لكن في بلدات مثل ميريكور، ما يزال حزب التجمع القومي غائباً إلى حد كبير، على حد قوله. وأضاف: "أعمل هنا منذ أكثر من عشر سنوات. أرى مئات الأشخاص يمرون. ولم أرَ مرشحي حزب التجمع القومي قط".
وتضيف فونتين أن انفصال أنماط التصويت الوطنية والمحلية في أماكن مثل ميريكور جزء من اتجاه أوسع ينتشر في معظم أنحاء شمال فرنسا. و "في حوض التعدين، ثمة ديناميكية متناقضة بين تأكيد الهوية، التي غالبًا ما يُعاد ابتكارها أو تُضفى عليها هالة أسطورية، وبين الشعور بالإذلال والتهميش على المستوى الوطني. فإذا ساد شعور بالفخر، يستطيع رؤساء البلديات اليساريون الاحتفاظ بمناصبهم. أما إذا سيطر شعور بالإذلال، فإن حزب التجمع الوطني هو الذي يستفاد". وستكون الانتخابات الرئاسية لعام 2027 الاختبار الحقيقي التالي لهذه النظرية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
*- باختصار عن مقالة بقلم فينياس روكيرت، نشرت في 24 آذار الماضي في موقع مجلة جاكوبين.