أسكن مع أسرتي من عشر سنوات في المرتفعات الجبلية في مدينة إزمير المُطلَّة على شاطئ بحر إيجة، ومن هنا عَبَرَ، وما زال يعبر حتى اليوم، الآلاف من البشر نحو الجزر الصغيرة في البر اليوناني، ثمَّ يكمل من أسعده الحظ بطريق آمن إلى إحدى الدول الأوروبية السعيدة. والسؤال: مما يفرُّ هؤلاء البشر؟
التقى الباحث الهندي أمارتيا صن بالقتل للمرة الأولى وهو في الحادية عشرة من عمره في الشغب الذي اندلع بين المسلمين والهندوس أربعينيات القرن العشرين. في صباح أحد الأيام كان يلعب في حديقة منزله في دكا، عندما اندفع رجل مصاب بجرح دام يطلب المساعدة، وأسرع والد أمارتيا به إلى المستشفى، لكنه فقد حياته متأثرا بجراحه. كان اسم الضحية: قادر ميا، مسلماً فقيراً، عاملاً باليومية، طلبت إليه زوجته ألا يخرج في هذه الأحوال، لكنه اضطر إلى الخروج لأن بيته لم يكن فيه طعام. وطعن قادر ميا على يد أحد المتعصبين الذي لم يكن يعرف عنه شيئا، إلا ديانته. كان معظم ضحايا هذا الشغب من العمال الفقراء وعائلاتهم، وعلى الرغم من أن الضحايا كانوا يختلفون في الديانة، لكنهم كانوا متماثلين كثيرا في انتمائهم الطبقي. لكن الهوية الدينية فقط هي التي كان لها اعتبار في عالم التصنيف المنفرد القاتل.
يحاجج الباحث الهندي أمارتيا صن في كتابه "الهوية والعنف" بأن الصراع والعنف يدعمهما اليوم وهم هوية متفردة، والواقع أن هناك اتجاها متزايدا اليوم لرؤية العالم باعتباره فدرالية أديان مع تجاهل أهمية الطرق الأخرى التي يرى بها الناس أنفسهم، والتي تختص بالطبقة أو النوع أو المهنة أو اللغة أو الآداب أو العلوم أو الموسيقى أو الأخلاقيات أو السياسة. والمحاولات على مستوى الكوكب لوقف مثل هذا العنف تعوقها الفوضى المفاهيمية التي تتولد عن فرضية وجود هوية منفردة ومفروضة على الإنسان بشكل قدري. وعندما تعرف العلاقات بين البشر بأنها "صدام حضارات"، أو على العكس "لقاء حضارات"، فإن البشر يتم تصغيرهم، ووضعهم داخل صناديق صغيرة.
ومن خلال بحث ثاقب في موضوعات متنوعة مثل التعددية الثقافية، وما بعد الكولونيالية، والأصولية، والإرهاب، والعولمة، يظهر لنا أمارتيا صن مدى الحاجة إلى فهم واع بالحرية الإنسانية وتأثير الصوت العام البناء في المجتمع المدني العالمي. ويوضح لنا أن العالم يمكن أن يتحرك تجاه السلام بنفس القوة والثبات اللذين تحرك بهما نحو العنف والحرب.
هل يمكن أن أكون مناضلاً من أجل أسرتي وجياع الأرض معاً، وأحترم أهل الديانات الأخرى، ومؤيداً لقول فولتير "قد أختلف معك في الرأي، ولكني على استعداد لأدافع حتى الموت عن حقك في التعبير عن رأيك" وطبيعياً في علاقتي مع الجنس الآخر، ومؤمناً ومدافعاً ومناصراً لحق المرأة في العدالة الاجتماعية، وأن أكون من أولئك الناس الشاسعين الذين يمدون ظلالهم على آفاق فسيحة رحبة، وأكون إنساناً على وجه الدقة، وأكون مسؤولاً، وأن أعرف الخجل أمام بؤس لا يبدو أنه يتعلق بي، وأن أزهو بنصر كلّل هامات الرفاق في ساحات الكفاح، وأن أُحس وأنا أضع حجري أني أًعمّر العالم.
يؤكد الباحث الهندي بأن هذه النشاطات الجمعية التي ينتمي إليها أحدنا تكوّن شخصيته وترسم هويته، وفي الوقت نفسه ليس فيها ما يمكن أن يُعتبر الهوية الوحيدة لشخصيته. علينا أن نقنع أنفسنا أولاً، ومن ثم الآخر الذي نتقاسم معه أسباب العيش، بأن لنا انتماءات كثيرة منفصلة، وهذه الانتماءات يمكن أن تتفاعل بعضها مع بعض بطرق كثيرة مختلفة. وقد جاء في الأثر أن رجلاً سلَّم على أبي العيناء، وهو من ظرفاء أهل القرن الرابع الهجري في بغداد، وكان أعمى، فسأله: من الرجل؟ قال: من بني آدم. فقال أبو العيناء: مرحباً بك، والله ما كنتُ أظن هذا النسل إلا قد انقطع. هل الانتماء إلى أبينا آدم في عصرنا الحديث طريق نجاة مأمون؟ الناس في هذا العالم يمكن أن يُصنًّفوا وفقاً لانتماءات متعددة. وبالتالي فإن انسانيتنا المشتركة تتعرض لتحديات وحشية عندما توحًّد التقسيمات المتنوعة في مجتمعنا في نظام تصنيف واحد مهيمن مزعوم يعتمد على الدين مثلاً، أو الطائفة، أو الثقافة، أو الأمة، أو الحضارة. ففي حياتنا اليومية العادية نرى أنفسنا كأعضاء لمجموعات متنوعة ننتمي إليها جميعاً. وحقيقة أن يكون المرء علمانياً لا يتعارض مع كونه مؤمناً يُصلي في كنيسة، وذلك لا يتعارض مع كونه ينشط في حزب شيوعي، ولا يمنعه من أن يكون صديقاً لعدد كبير من المسلمين يدخل بيوتهم ويأكل من خبزهم. أي شخص هو عضو في جماعات مختلفة متعددة - دون أن يكون ذلك تناقضاً بأي شكل من الأشكال- وكل من هذه الهويات الجمعية التي ينتمي إليها جميعاً هذا الفرد تعطيه هوية اجتماعية تجعله شخصاً مهماً بالفعل.
إن الأمل في أن يسود الانسجام عالمنا المعاصر يكمن إلى حد كبير في فهم أوضح لتعدد الهوية الإنسانية وفي تقدير الحقيقة أن البشر يستطيعوا أن يصلوا إلى بعضهم وأن يعملوا ضد فصل حاد بينهم على أساس خط واحد متصلب من التقسيم الذي لا يمكن عبوره. لنأخذ على سبيل المثال فيلسوف معرة النعمان فأنت تجد الناس لا يعرفونه إلا رجلاً ملحداً، فإذا سألتهم عن علة إلحاده، رووا لك أبياتاً في اللزوميات، تنطق بإنكار الشرائع، وازدراء الأنبياء، وهذا القدر هو فقط ما عرفه الناس عن فيلسوف المعرة. مع أنه لا ضرورة لأن تكون ديانة المرء هي كل هويته على وجه الحصر. والإسلام بشكل خاص، كديانة، لا يلغي الاختيار المسؤول للمسلمين في كثير من مجالات الحياة. والحق أنه من الممكن أن يأخذ أحد المسلمين وجه نظر صدامية متوحشة وأن يكون آخر متسامحاً للغاية من دون أن يتوقف أي منهما على أن يكون مسلماً. وحقيقية الأمر أن فيلسوف المعرة رقيق القلب، شديد الرحمة، كثير العطف على الضعيف، وحسبك أنه أمّن الحيوان من تعديه على نفسه، أو ولده أو ثمراته. فقد مرض فوصفوا له الدجاج فامتنع وألحوا عليه حتى أظهر الرّضا فلما قدم إليه لمسه بيده فجزع، وقال: استضعفوك فوصفوك. ثم أبى أن يأكل، لأنه لا يأكل أحداً. اجتمعت في فيلسوف المعرة المقومات النموذجية لمفكر حر، ألمَّ بفكر العرب وثقافتهم، واستمدَّ من تلك الثقافة رموزها الفلسفية، فأنضجها في أتون العقل، وصنع منها مشروعاً حضارياً عملاقاً نستطيع القول بأنه ما زال حياً إلى يومنا هذا. وهو بهذا القيد يكون المعبّر الأمثل عن منحى التنوير في الإسلام.
نحن في اختياراتنا الحياتية- شئنا ذلك أم أبينا- ننتمي إلى العديد من الجماعات المختلفة بطريقة أو بأخرى وكل من هذه الجماعات يمكن أن تمنح الشخص هوية يحتمل أنها مهمة بالفعل. ويؤكد الباحث الهندي أمارتيا صن أن البحث عن أسلوب فريد لتصنيف الناس من أجل عمل تحليل اجتماعي مسألة ليست بجديدة.
لنأخذ قضية الفقر المدقع والتي يمكن بالطبع أن تنتج التحريض على تحدي القواعد والقوانين الراسخة في المجتمع. ولكن ليس بالضرورة أن يعطي الناس الدافع والشجاعة والقدرة الفعلية على فعل أي شيء شديد العنف. فالفقر المدقع يمكن أن يصحبه ليس فقط الضعف الاقتصادي بل أيضاً العجز السياسي. ويمكن أن يكون أي تعيس جائع شديد الضعف وموهن العزيمة إلى درجة تفقده القدرة على النزاع والحرب، بل حتى الاحتجاج والشكوى. ومن ثم ليس من المدهش أن أغلب حالات الإجهاد الشديد وانتشار المعاناة والبؤس كانت مصحوبة بالسلام والصمت بدرجة غير عادية. والحق أن كثيراً من المجاعات حدثت من دون ان يكون هناك كثير من التمرد السياسي أو النزاع الاجتماعي أو الحروب بين جماعات المجتمع، فالإهمال والتجاهل يمكن أن يكونا سبباً للسخط، لكن شعوراً بالتعدي على الحقوق، والحط من القدر، والمهانة، يمكن أن يكون أسهل في تعبئة التمرد أو الثورة. إن قدرة أي نظام مستبد على إزاحة الجماهير من طريقه وعزلهم وقهرهم والسيطرة عليهم بالقوة العسكرية له عواقب مكثفة وبعيدة المدى بما يتجاوز كثيراً المكاسب السياسية التي تجلبها على النظام. فالشعور بالظلم في الانتهاك الاستبدادي لحقوق العامة يظل مهيأ لتجنيد ما ينظر إليه من الجانب المضاد على أنه انتقام عنيف وقد يأتي الأخذ بالثأر ليس فقط من العامة ولكن أيضاً من جماعات أوسع كثيراً من الناس الذين ترتبط هويتهم بالهوية الدينية. وعلى الرغم من أن الفقر والشعور بالظلم قد لا يؤديان مباشرة إلى انفجار العنف، ولكنهما يمهدان الأرضية التي ينطلق منها، فهناك علاقة أكيدة، تعمل على مدى فترة زمنية أطول، يمكن أن يكون لها الدور الكبير في احتمالات العنف. وأختم بمقولة مشهورة لأبي ذر الغفاري: عجبتُ لمن لا يجد قوت يومه كيف لا يخرج على الناس شاهراً سيفه.