استطاع الجيش السوداني وفي أقل من أسبوع أن يفك الحصار عن مدينتي الدلنج وكادوقلي، كبرى حواضر ولاية جنوب كردفان، واللتان ظلتا محاصرتين من قبل الحركة الشعبية منذ بداية الحرب، وقبل تحالفها مع قوات "الدعم السريع". مما أدخل قوات إضافية إلى المنطقة، أحكمت طوق الحصار حول المدينتين وسيطرت على الطريق الواصل بين تلك المدن ومدينة الأبيض عاصمة شمال كردفان، التي تقع تحت قبضة الجيش السوداني.
لكن وضعها يزداد حرجا في ظل انتشار القوات المعادية في المناطق الجنوبية، منها في مدن الدبيبات والحمادي والتي تصلها خطوط إمداد مفتوحة مع أماكن تجمعات "الدعم السريع" في ولاية غرب كردفان، المتصل بإقليم دارفور الواقع بكلياته تحت سيطرة "الدعم السريع". وهو ما جعل من إقليم كردفان بولاياته الثلاث نقطة نزاع ساخنة وكانت الكفة فيه راجحة لقوات الدعم السريع والقوات المتحالفة معها. خاصة وأن سقوط المدن المحاصرة، والذي كان متوقعا في أي لحظة لانقطاع الإمداد عنها، كان من شأنه ان يؤزم الوضع العسكري في مدينة الأبيض كآخر نقطة يتمسك بها الجيش في كل غرب السودان وسقوطها ينذر بانقسام البلاد عمليا بين النيل والغرب.
وبالتالي فان فك الحصار عن تلك المدن يقلب المعادلة بين عشية وضحاها لتصبح قوات الدعم السريع هي المحاصرة بين قوات الجيش، ممثلة في سلاح الهجانة في الأبيض، وقوات الفرقة 14في الدلنج واللواء 54 في كادوقلي. وهذا من شأنه أن يحول استراتيجية "الدعم السريع" من الهجوم إلى الدفاع. ويشير بوضوح إلى أن الجيش السوداني قد امتلك زمام المبادرة بالفعل. فالدعم السريع لم يتبق أمامه غير أن يسحب قواته الواقعة بين جنوب وشمال كردفان إلى مواقع تموضعه الأساسية في غرب كردفان، قبل ان تطبق عليها القوات المسلحة من اتجاهين. وهي الآن تعيش بالفعل في وضع كماشة.
في هذا الوقت بالذات نشطت "المبادرة الرباعية" التي تقودها أمريكا وتضم إلى جانبها السعودية ومصر والإمارات العربية. وقال مسعد بولس، مندوب الرئيس الامريكي لأفريقيا، إنهم قد توصلوا إلى صيغة هدنة بين طرفي النزاع سيعرضونها على الآلية الرباعية. ونسبت مواقع إعلامية إلى بولس قوله إن الهدنة تقتضي انسحاب "الدعم السريع" من بعض المدن. وهي استجابة ليست كاملة لشروط الجيش الذي يطالب بانسحاب "الدعم السريع" من كل المواقع التي يحتلها ويتم تجميع تلك القوات في مواقع يجري حولها اتفاق مع الوسطاء.
لكن قيادة الجيش عادت في وقت سابق وأبدت مرونة في هذا الأمر وطالبت بالانسحاب من المدن التي تم احتلالها مؤخرا. وهذا يعني ان الجيش ربما يوافق على انسحاب لا يشمل مدن نيالا والضعين. فيما أشارت تسريبات أخرى إلى أن الانسحاب قد يكون فقط من إقليم كردفان بولاياته الثلاث.
أمام الانتصارات التي حققها الجيش مؤخرا حدث تضعضع في الجبهة المناصرة للدعم السريع، خاصة وسط شيوخ القبائل الذين قتل الجيش بعضهم بطائرة مسيرة حينما حاولوا الاجتماع في منطقة هجليج النفطية التي انسحب منها الجيش وسيطرت عليها قوات من دولة جنوب السودان باتفاق بين الحكومتين وموافقة قيادة "الدعم السريع". ويبدو ان تلك الرسالة قد استلمتها قيادات أهلية بعينها تمثل قبائلها حواضن للدعم السريع. حيث تغيرت لهجة بعضهم وجنحت للسلم بعد أن كانوا من المؤججين لنيران الحرب.
ووسط هذه الاضطرابات العسكرية والسياسية أطلقت الطريقة القادرية، وهي من أكبر الطرق الصوفية، مبادرة تدعو فيها إلى حل توافقي بين أهل السودان. وطالبت بحل حكومة الأمر الواقع الحالية وتكوين حكومة تكنوقراط متوافق عليها وعقد مؤتمر وطني لمناقشة الأزمة الوطنية.
لذلك يتوقع بعض المراقبين أن تسهم الانتصارات العسكرية، إلى جانب سياسة الجزرة والعصا التي تتخذها الولايات المتحدة الامريكية، والتفاف الكثير من السودانيين حول شعار وقف الحرب الذي ترفعه القوى المدنية واجتذب اليه بعض الكيانات، في تغيير الموقف التفاوضي للجيش وتجعله أكثر مرونة. وقد يقبل بالانسحاب الجزئي من المدن والبلدات التي تحتلها قوات الدعم السريع .كما تصاعدت تحذيرات من بعض السياسيين من أن مطالبة طرفي الحرب بإبعاد بعض دول "الرباعية"، كما طالب "الدعم السريع" بإبعاد مصر وطالبت بعض الاصوات المحسوبة على الجيش بإبعاد الإمارات، من شأنه أن يقود إلى تسوية بين الطرفين ربما تهدد وحدة السودان في ظل ضعف الحركة الجماهيرية في مناطق سيطرة القوات المتحاربة.