اخر الاخبار

في بلدٍ مثقلٍ بالأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لا يمكن التعامل مع أرقام الطلاق بوصفها مجرد بيانات جامدة أو تحوّلات عابرة في سلوك المجتمع. فالأرقام، حين تُقرأ في سياقها الزمني والتشريعي، تتحوّل إلى مؤشرات خطرة على مسار الأسرة العراقية واستقرارها. وما تكشفه الإحصاءات الرسمية الصادرة عن مجلس القضاء الأعلى لعامي 2024 و2025 يضعنا أمام سؤالٍ جوهري: هل أسهم تعديل قانون الأحوال الشخصية وتطبيق ما يُعرف بـ (القانون الجعفري) في تعميق هشاشة الأسرة بدل حمايتها؟

أرقام لا يمكن تجاهلها

الارتفاع الملحوظ في معدلات الطلاق خلال النصف الثاني من عام 2025، ولا سيما في محافظات الجنوب، لا يمكن فصله عن التغييرات التشريعية التي أُقِرّت مطلع العام ذاته.

فقد سجّلت محافظات ذي قار والبصرة وميسان والمثنى زيادات واضحة، كان بعضها صادمًا قياسًا بالعام السابق. ففي محافظة ذي قار، على سبيل المثال، ارتفع عدد حالات الطلاق من 864 حالة في النصف الثاني من عام 2024 إلى 1,556 حالة في الفترة نفسها من عام 2025، أي ما يقارب الضعف.

كما ارتفعت الحالات في البصرة من 3,524 إلى 3,973 حالة، وفي ميسان من 1,163 إلى 1,301 حالة.

هذه الأرقام لا يمكن تفسيرها بعوامل اقتصادية أو اجتماعية عامة فحسب، إذ إن هذه العوامل كانت قائمة قبل التعديل، بل تستوجب إعادة النظر في أثر الإطار القانوني الجديد ومدى انسجامه مع واقع المجتمع العراقي وتعقيداته.

التشريع بوصفه عامل استقرار أو سبب اضطراب

القوانين التي تنظم شؤون الأسرة ليست نصوصًا تقنية فحسب، بل هي انعكاس لفلسفة الدولة تجاه التوازن بين الحقوق والواجبات، وبين الفرد والمجتمع. وحين يُعاد تشكيل هذه القوانين من دون توافق وطني واسع، أو من دون قراءة دقيقة للبنية الاجتماعية والثقافية، فإن النتائج غالبًا ما تكون اضطرابًا قانونيًا واجتماعيًا. فالمدونة الشرعية للفقه الجعفري، التي أُدرجت ضمن تعديل قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959، فتحت الباب أمام تعدد المرجعيات في قضايا حساسة، مثل عقود الزواج والطلاق والحضانة. وقد أربك هذا التعدد التطبيق القضائي، وأضعف الشعور بالاستقرار القانوني داخل الأسرة، وخلق تفاوتًا في الأحكام بين محافظة وأخرى.

تصاعد مستمر يعكس خللًا أعمق

تكشف الأرقام الشهرية في محافظتي البصرة وذي قار مسارًا تصاعديًا لا يمكن تجاهله. ففي البصرة، ارتفعت حالات الطلاق من 632 حالة في تموز 2024 إلى 734 حالة في تموز 2025، واستمر الاتجاه التصاعدي حتى كانون الأول. أما ذي قار، فقد شهدت قفزات أكثر حدّة، ولا سيما في أشهر الخريف، ما يشير إلى أن الأمر لا يتعلق بطفرة مؤقتة، بل باتجاه مستمر. ويطرح هذا التصاعد تساؤلات جدية حول التساهل في إجراءات الطلاق بعد إقرار التعديل، ومدى تأثير التغييرات في شروط التفريق أو في موازين القوة داخل العلاقة الزوجية، ولا سيما بالنسبة للنساء اللواتي غالبًا ما يجدن أنفسهن الطرف الأضعف عند تفكك الأسرة.

التفاوت بين المحافظات: اختلاف في التطبيق لا في جوهر الأزمة

في المقابل، تُظهر البيانات تراجعًا طفيفًا في محافظات مثل النجف وكربلاء والقادسية. ولا ينفي هذا التفاوت الصورة العامة، بل يؤكد أن تأثير القانون ليس متجانسًا، وأن العوامل المحلية، من أعراف اجتماعية وثقافة دينية وآليات تطبيق قضائي، تلعب دورًا في تضخيم أثره أو الحدّ منه. غير أن هذا التراجع المحدود لا يعوّض الارتفاع الكبير في محافظات أخرى، ولا يقلل من خطورة الاتجاه العام الذي تسير نحوه معدلات الطلاق في البلاد.

زواج مستمر واستقرار غائب

اللافت أن أعداد عقود الزواج في محافظة ذي قار لم تشهد انخفاضًا حادًا، بل بقيت شبه مستقرة بين عامي 2024 و2025. وهذا يشير إلى أن المجتمع لم يعزف عن الزواج، لكن الأسر باتت أسرع في الانفصال. وهنا تكمن المعضلة الحقيقية: زواج بلا ضمانات استقرار، وعقود تُبرم في ظل قلق قانوني واجتماعي، ما يجعل الطلاق خيارًا أقرب وأسهل من ذي قبل.

نحو مراجعة جريئة ومسؤولة

أخيرًا، لا يمكن تحميل القانون وحده مسؤولية تفكك الأسرة، فالفقر والبطالة وضغوط الحياة اليومية عوامل حاضرة بقوة. غير أن التشريع، حين يأتي في لحظة هشاشة عامة، ينبغي أن يكون عامل تماسك لا سببًا إضافيًا للانقسام.

إن قراءة هذه الإحصاءات يجب أن تشكّل جرس إنذار، وأن المطلوب اليوم مراجعة جريئة وتقييمًا موضوعيًا لتطبيق المدونة الجعفرية، بمشاركة مختصين في القانون والاجتماع وعلم النفس، إضافةً إلى حوار جاد مع منظمات المجتمع المدني المعنية، وبعيدًا عن منطق الغلبة السياسية أو الطائفية. فاستقرار الأسرة ليس شأنًا فقهيًا فحسب، بل ركيزة أساسية لاستقرار المجتمع والدولة، وأي تشريع لا يضع هذا الهدف في صلبه سيبقى مشروع أزمة مؤجلة.