الرأسمالية نظام اقتصادي يقوم على الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج والعمل المأجور والسوق الحرة والمنافسة وتراكم رأس المال وتكديس الثروة في ايدي النخبة الاحتكارية.
ووفقاَ لفلسفة آدم اسمث (دعه يعمل دعه يمر) فأن الموارد الاقتصادية، كالأراضي الزراعية والمؤسسات الانتاجية والصناعية والشركات التجارية والعقارات ورؤوس الأموال والمصارف والبنوك وقطاع الخدمات، مثل الصحة والتعليم والنقل والإسكان ومؤسسات الطاقة وكافة وسائل الانتاج، ملكية خاصة للأفراد والشركات الرأسمالية. وأما الدولة فلا تملك سوى بعض الصناعات العسكرية وبعض خدمات البريد وجزء من سكك الحديد، ويتلخص دورها الأساسي في حراسة مصالح الرأسماليين.
والحلقة المركزية في النظام الرأسمالي تستند إلى الملكية الخاصة لوسائل الانتاج التي ينتج عنها استحواذ الرأسمالي على القيمة الزائدة التي تخلقها طبقة العمال الاجراء. (البروليتارية). فالاقتصاد الحر والمنافسة وآلية العرض والطلب وعدم تدخل الدولة في تخطيط الاقتصاد والانتاج منطلق الرأسمالية لتكريس استغلال الانسان لأخيه الانسان.
وبحسب اعتقاد آدم اسمث واتباعه من مدرسة الاقتصاد الكلاسيكي، فان الأسواق الحرة بفعل اليد الخفية قادرة على تنظيم نفسها تلقائياَ. وفي رأيه عندما يسعى الأفراد لتحقيق مصالحهم الذاتية، فإنهم يساهمون في تحقيق المنفعة العامة. وبذلك يتغاضى أسمت واتباعه عن حقيقة أن الشركات الاحتكارية تتخذ قرارات الانتاج والتوزيع بما يضمن مصالحها وتعظيم أرباحها.
فالأرباح الخيالية التي تحققها الشركات الاحتكارية تدفعها لاستثمار رؤوس أموالها في القطاعات التي تحقق لها الارباح السريعة. وأما المصلحة العامة التي يشير اليها اسمث فليس لها أي وجود في قاموس الشركات.
ومن المآخذ الكبرى على الأنظمة الرأسمالية فشلها في تحقيق الرفاهية الاقتصادية لمجتمعاتها وعجزها عن تحقيق العدالة والمساواة. ويتضح ذلك من سوء توزيع الدخل والثروة. فالمجتمع الرأسمالي يعيش في دوامة من الصراعات الطبقية بسبب الملكية الخاصة لوسائل الانتاج التي أدت إلى تقسيم المجتمع إلى طبقات استغلالية وطفيلية تتركز بيدها وسائل الانتاج والثروة، وطبقات أجيره وفقيرة لا تملك سوى قوة عملها التي تعرضها للبيع لتأمين عيشها وبقائها على قيد الحياة.
فالتركيز على جني الارباح بدلاَ من المصلحة العامة، يولد صراعاَ دائماَ بين الطبقات المستغِلة والمستغَلة. فالمزيد من الأرباح التي تذهب لجيوب البرجوازيين تعني المزيد من استغلال العمال الأجراء وافقارهم.
وتكديس الثروة في أيدي قلة قليلة من المجتمع يؤدي حتماَ إلى اتساع الفجوة بين الطبقات الثرية والطبقات الفقيرة وتغليب المصلحة الخاصة على المصلحة العامة، وتركيز القوى الاقتصادية في الشركات العملاقة على حساب المؤسسات والشركات الصغيرة والمتوسطة. وبسبب الملكية الخاصة والمصالح الذاتية فإن المجتمعات الرأسمالية تعاني من أزمة بطالة حادة اضافة إلى ظاهرة التشرد والسرقة والجريمة المنظمة وتجارة المخدرات والجنس وغير ذلك من المشاكل الاجتماعية التي أصبحت سمه مميزة للأنظمة الرأسمالية.
فمجموعة الرأسماليين الكبار يقتسمون الثروات في الدولة ويتزعمون السياسة وفي أيديهم أكبر وأهم القطاعات الاقتصادية، ويشكلون مجلساَ خفياَ وراء الكواليس يتحكم في الاقتصاد العالمي وفي مصائر البشر ويقررون السلم والحرب وفقاَ لمصالحهم. ويؤدي تركز الملكيات لفرد معين أو مجموعة من الأفراد إلى نشوء الاحتكارات، كانعكاس لإرادة الأقلية المالكة لوسائل الانتاج والثروة على حساب المصلحة العامة للمجتمع.
إن سيادة وهيمنة الاحتكارات الرأسمالية العملاقة على الاقتصاد والأسواق والبنوك والتجارة دليل على انعدام المنافسة الكاملة التي يدعيها دعاة الرأسمالية. فما يدعيه منظرو الرأسمالية من حريات هي حريات نظرية وشكلية نتيجة لسوء توزيع الدخول، وما يؤدي إليه من تفاوت طبقي واقتصادي، فالعمل غير مكفول للجميع. وآما حرية الاستهلاك فهي حرية وهمية إذ لا يستطيع الفقراء الحصول على السلع المعيشية التي يمكن أن يحصل عليها الأغنياء.
فالصورة الزاهية التي رسمها الرأسماليون مغايرة للواقع.
فالواقع يشير إلى أزمات اقتصادية متكررة تضرب النظام الرأسمالي العالمي بين فترة واخرى، والأزمة الاقتصادية تعني اختلال التوازن بين الانتاج والاستهلاك، مما يقود في النهاية إلى البطالة المتنوعة.
فتدهور الطلب على المنتجات يؤدي إلى تدهور الطلب على القوى العاملة، واستخدام التقنيات التكنولوجية في العمل، يؤدي إلى الاستغناء عن أعداد كبيرة من القوى العاملة مما يساهم في تضخيم جيش العاطلين.
ويشير ماركس في معرض نقدة للرأسمالية كبنية طبقية قائمة على الاستغلال أن وجود أعداد فقيرة من العاطلين عن العمل يدفع العمال إلى القبول بأجور منخفضة مما يضعف قدرتهم الشرائية ويعزز وجود فائض الانتاج.
فالاحتكار هو نقيض المنافسة ووجوده ينسف ادعاءات الايديولوجية الرأسمالية حول قدرة المنافسة في استقرار الأسواق وانخفاض الاسعار، ان الصورة الزاهية التي يروج لها أنصار الايديولوجية الرأسمالية لم تثبت الحياة واقعيتها. فالرأسمالية تتخبط في أزماتها الاقتصادية والمالية والاخلاقية.
المبادئ التي يقوم عليها النظام الرأسمالي
تتلخص المبادئ التي ترتكز عليها الأنظمة الرأسمالية بما يلي:
1-الملكية الخاصة: تبيح الملكية الخاصة للأفراد والشركات امتلاك وسائل الانتاج والمؤسسات الصناعية والانتاجية والتجارية والبنكية والأراضي الزراعية ورؤوس الاموال وادارتها لتحقيق الارباح والمكاسب المختلفة. ويبرر منظرو الرأسمالية اهتمامهم وتركيزهم على الملكية الخاصة بانها تدفع المستثمرين ورجال الاعمال نحو الاستثمار، وتحفز النشاط الاقتصادي والابتكار والاختراع. إلا أن هؤلاء المنظرين يخفون حقيقة أن الملكية الخاصة لوسائل الانتاج، السبب الرئيسي في طاغوت الاستغلال وانعدام العدالة والمساواة في المجتمع. وهي الأساس في تقسم المجتمع إلى طبقات متفاوتة اقتصادياَ واجتماعياَ. فالطبقة الرأسمالية تمتلك وسائل الانتاج والثروة، وأما الطبقة العاملة أي الطبقة البروليتارية، فلا تمتلك سوى القدرة على بيع قوة عملها إلى مالكي وسائل الانتاج. فالطبقة البروليتارية تخلق الانتاج وتخلق معه القيمة الزائدة التي يستولي عليها الرأسمالي. وتؤدي هذه العملية غير المتكافئة القائمة على الاستغلال الجشع إلى نشوب انواع مختلفة من الصراعات الطبقية التناحرية التي لا تنتهي بحسب تنبؤات كارل ماركس الا بالثورة وإزالة الاستغلال.
2-المنافسة: تتميز الرأسمالية بوجود منافسة حرة بين الشركات والأفراد، وفي رأي آدم أسمت أن المنافسة تحفز المنتجين على التحسين المستمر للإنتاج وتوفير المنتجات والخدمات. وفي إطار المنافسة الحرة يرفض سميث تدخل الدولة في الاقتصاد إلا في حالات استثنائية مثل حماية المنافسة. ويشدد على إزالة العوائق أمام التبادل التجاري والسماح للمنافسة الحرة بتحديد الأسعار وتوزيع الموارد بكفاءة. غيران واقع الحياة اتبت أن المنافسة فشلت في تحقيق التوازن في الأسواق والأسعار، وبقيت الأسواق والأسعار في حالة من الاضطراب بين الصعود الحاد والهبوط البطيء، أما في حالة الأزمات فأن الاحتكارات تحتكر الأسواق والأسعار وتحدد عرض السلع والخدمات وتمارس أبشع أنواع الاستغلال.
ويدحض ذلك صميم التنظير الرأسمالي في أن المنافسة تعمل كقوة تنظيمية خفية داخل السوق وتدفع الشركات لتحسين جودة المنتجات وتخفيض الأسعار. فسيطرة الاحتكار العملاقة على الأسواق تنهي أي دور لآلية العرض والطلب في تحديد الاسعار وتتحول إلى مافيات تتحكم في الأسواق لجنى الارباح الخيالية.
فالاحتكار يتناقض مع المنافسة التي يقدسها اسمث، وتكديس الثروة عند الأقلية من الرأسماليين يقضى على العدالة والمساواة في توزيع الدخل.
وقد امتدت سلطة الاحتكارات إلى خارج الحدود واصبحت مهيمنة على النفط والسلاح والبنوك وغسيل الأموال وتمارس دور المافيات في تنصيب حكومات وتسقط حكومات اخرى. ويعكس ذلك الجوهر الاستغلالي البشع للرأسمالية في مرحلة الامبريالية والعولمة. وسلوك الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا خير مثال على ذلك.
3- دافع الربح: الربح في الرأسمالية المحرك الأساسي لكافة العمليات الاقتصادية، وهو فائض القيمة الذي ينتجه العمال الاجراء ولا يحصلون عليه. فالرأسمالي لا يدفع سوى أجر أقل من قيمة السلعة التي ينتجها العمال ولهذا فان الربح شكل من أشكال الاستغلال الذي يستخدمه الرأسمالي لتوسيع وانتاجه وزيادة ثرواته. فالربح في الرأسمالية ينمو على الاستغلال ويُغذي عدم المساواة ويعمق التفاوت الاجتماعي والطبقي.
ويشير ماركس إلى ذلك بقوله، يتولد الربح أو فائض القيمة، عندما يدفع الرأسمالي للعامل أجرًا أقل مقابل قوة عمله من القيمة التي يحصل عليها من بيع السلع والخدمات التي ينتجها.
ويتخذ الربح في الرأسمالية الطابع الذاتي، فكل رأسمالي يسعى للحصول على ربح أكبر من رأسماله. وفي النهاية فان الربح هو التعبير عن المنافسات الذاتية لزيادة ثروة المستغلين.
وبسب اللهاث وراء تعظيم الأرباح تنشأ الصراعات بين الرأسماليين وشركاتهم، ويؤدي هذا الصراع إلى ابتلاع الشركات الصغيرة وإخراج شركات أخرى من السوق. وقد أطلق ماركس على تعظيم الأرباح التي يحققها الرأسمالي من خلال تجديد وتوسيع انتاجه، القانون العام للتراكم الرأسمالي.
وما نشهده اليوم في العالم الرأسمالي أن المنتجين يوجهون استثماراتهم نحو انتاج السلع الكمالية الفاخرة التي تلبي رغبات الطبقات الثرية لكسب الأرباح العالية. ولا يعيرون أي اهتمام يُذكر للمنتجات المعيشية لغالبية المجتمع من ذوي الدخل المحدود والفئات الفقيرة والمهمشة.
4-المصلحة الذاتية: المصلحة الذاتية تعني الأفعال والسلوكيات الفردية التي تحقق منافع شخصية. ويؤكد آدم أسمت عندما يتصرف الأفراد وفقاَ لمصالحهم الذاتية تتحقق المنافع للجميع وأفضل المنافع في رأيه هي المنافع الاقتصادية.
والمصلحة الذاتية في معتقد اسمث هي المحرك الأساسي للنظام الرأسمالي، فسعي الأفراد والشركات لتحقيق الأرباح والمنافع الشخصية، يدفع الافراد والشركات للابتكار وزيادة الإنتاجية والكفاءة. فالمصلحة الذاتية هي مكمن القوة في النظام الرأسمالي، وهي التي تخلق اقتصاداَ تنافسياَ وتسمح للأفراد والشركات ببذل قصارى جهدهم لزيادة مكاسبهم الذاتية. والمصلحة العامة بالنسبة إلى اسمث تتحقق من خلال المصالح الذاتية للأفراد.
وقد واجهت هذه الآراء انتقادات لاذعه وشديدة لأن المصلحة الذاتية تؤدي إلى الفساد والغش والتلاعب في الأسعار. والتركيز على المصلحة الفردية، يؤدي إلى إعلاء المصلحة الشخصية فوق مصلحة المجتمع. فالهدف النهائي للرأسمالي جني الارباح وتكديس المال ويؤدي ذلك إلى اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، فيزداد الأغنياء ثراءً ويزداد الفقراء فقراَ، وبذلك تنتهي العدالة والمساواة التي يتبجح بها دعاة الرأسمالية.
دور الدولة الرأسمالية في الاقتصاد
يعارض آدم أسمت تدخل الدولة في الاقتصاد، وفي رأيه أن تدخل الدولة في الاقتصاد يقيد الحرية الاقتصادية. ويؤكد أن دور الدولة يجب ان يقتصر على حماية الأمن القومي، وتطوير البنية التحتية، التي تخدم التجارة، كالطرق والموانئ وضمان المنافسة في السوق. وفي الواقع فان دور الدولة الرأسمالية لا يقف عند هذا الحد الذي حدده اسمث وانما يمتد إلى وظيفة فرض الضرائب والرسوم وجبايتها والدفاع الخارجي والأمن الداخلي والدبلوماسية لنسج العلاقات بين البلدان. ويؤكد اسمث بدون الأمن، لا يمكن للاقتصاد أن يزدهر، ولم يتمكن الأفراد من ممارسة أنشطتهم التجارية بحرية لتحقيق الرفاهية والازدهار.
وفي رأي ماركس فان الدولة الرأسمالية أداة بيد الطبقة البرجوازية الحاكمة لحماية مصالحها الاقتصادية، وترسيخ الاستغلال وهيمنة رأس المال واللا مساواة، ويتحول العامل فيها أداةَ لإنتاج فائض القيمة (الربح) لصالح الرأسماليين.
وقد تحولت الدولة الرأسمالية في مرحلة الإمبريالية والعولمة إلى نظام أكثر عدوانياَ وخطراَ على مصالح البلدان وشعوبها. اذ تسعى البلدان الرأسمالية الكبرى لاستعمار البلدان الفقيرة بحجة الاستثمار الذي في جوهره استعمار اقتصادي لنهب ثروات البلدان. وخير مثال على ذلكَ ما قامت به الإدارة الامريكية من عدوان عسكري على فنزويلا واختطاف رئيس الدولة وزوجته والسيطرة على النفط الفنزويلي.
توقعات كارل ماركس بانهيار الرأسمالية
يشير ماركس في مؤلفه الموسوم رأس المال أن سقوط الرأسمالية وانتصار البروليتارية وحلول الاشتراكية أمر حتمي ولا مفر منه. وقد بنى تحليلاته وتوقعاته المستقبلية على منهج التفسير المادي للتاريخ وصراع الطبقات. ويؤكد كارل ماركس أن الطبقة الرأسمالية المالكة لوسائل الانتاج التي تستحوذ على فائض القيمة وتستخدمه في زيادة رؤوس أموالها للحصول على ربح أكبر. سوف تدخل في صراع تناحري مع الطبقة العاملة (البروليتارية) التي تبيع قوة عملها لتأمين أولياتها عيشها ومواصلة عملها.
فاستغلال العمال عبر الاستحواذ على فائض القيمة، يؤدي إلى فقر متزايد للطبقة العاملة وتراكم هائل للثروة في أيدي القلة من البرجوازية، وصولاً إلى أزمات الإنتاج الزائد، مما يؤدي في النهاية إلى ثورة عمالية يقودها وعي طبقي والاستيلاء على السلطة السياسية وبناء مجتمع لا طبقي هو مجتمع الاشتراكية
ويشير البيان الشيوعي الذي أصدره كارل ماركس وفردريك انجلس عام 1848 أن الرأسمالية حفارة قبرها ويستدل على ذلك في التناقض بين الإنتاج الاجتماعي الذي تقوم به البروليتارية والتملك الخاص الذي يحتكره الرأسماليون، فيؤدي إلى قيام ثورة العمال ضد آلة الاستغلال والاطاحة بالرأسمالية.
ويشير ماركس في تنبؤاته إلى مجموعة من الحقائق التي تؤدي إلى انهيار الرأسمالية من أبرزها نظرية القيمة الزائدة والصراع الطبقي والاستغلال الذي يغذي الصراع بين الطبقة البرجوازية والطبقة البروليتارية، وتزايد جيوش البروليتارية وتركيز وسائل الإنتاج بيد الطبقة البرجوازية، وانخفاض معدل الربح: بسبب المنافسة الشديدة التي تدفع لخفض الأجور والأسعار، والضغط على الأرباح والصراعات بين الرأسماليين.
ويرى ماركس أن هذه التناقضات ستؤدي حتماَ إلى انهيار الرأسمالية وتحولها إلى الاشتراكية، كنظام يحقق العدالة والمساواة لكافة افراد المجتمع.