يشكّل الاستيراد غير المنظّم للفواكه والخضر واحداً من أبرز التحديات التي تواجه القطاع الزراعي العراقي، لما له من انعكاسات مباشرة على الإنتاج المحلي والأمن الغذائي والاقتصاد الوطني. ففي مؤشر لافت على حجم المشكلة، أعلنت رابطة مجلس مصدّري الفواكه والخضروات الطازجة في منطقة البحر الأبيض المتوسط، قبل يومين، أن العراق حلّ ثاني أكبر مستورد للفواكه والخضر التركية خلال عام 2025، بقيمة بلغت نحو (865.1) مليون دولار. وفي الفترة نفسها، بلغت قيمة الاستيرادات من إيران (921) مليون دولار، هذا عدا ما يُستورد من دول الجوار الأخرى ومن بلدان إفريقيا وأوروبا.
وشملت هذه الاستيرادات أصنافاً متعددة، من بينها الحمضيات، والتمور، والتين، والرمان، والبطيخ، والخوخ، والمشمش، فضلاً عن البطاطا. غير أن المتابع للشأن الزراعي العراقي يدرك أن معظم هذه المنتجات تُنتج محلياً، إذ يمتلك العراق بساتين تزيد مساحتها على (1.5) مليون دونم موزعة على ضفاف نهري دجلة والفرات وشط العرب، إضافة إلى الإنتاج الواسع في إقليم كردستان، ولاسيما محصول التفاح.
وهنا يبرز سؤال جوهري: لماذا يلجأ العراق إلى هذا الحجم الكبير من الاستيراد، وبهذه المبالغ الضخمة، رغم توفر القدرة المحلية على الإنتاج؟ وما هو الدور الحقيقي لوزارات الزراعة والتجارة والتخطيط في تنظيم الاستيراد ووضع الضوابط الكفيلة بحماية المنتج الوطني، ومنع نزف العملة الصعبة إلى الخارج بفعل ممارسات بعض التجار الجشعين والمتنفذين؟
يمتلك الجهاز المركزي للإحصاء، بما لديه من خبرات وبيانات، القدرة على تحديد حجم الإنتاج المحلي بدقة، كما أن وزارة الزراعة، من خلال دائرة البستنة، تتبنى مشروعاً وطنياً لإنتاج شتلات الفواكه والخضر، وتدير مشاتل موزعة جغرافياً في مختلف أنحاء البلاد، تضم كوادر عراقية متخصصة من المهندسين الزراعيين. وهذا يفتح الباب أمام تساؤل مشروع: ألا يمكن تطوير هذا المشروع الوطني وتوسيعه ليكون ركيزة أساسية في دعم أصحاب البساتين في محافظات ديالى وكربلاء والنجف وواسط (الكوت) والبصرة وأجزاء من بغداد؟
إن إدراج هذه البساتين ضمن الخطة الزراعية الوطنية، وتوفير الحصص المائية الكافية لها، فضلاً عن تجهيزها بشتلات الفواكه والخضر بأسعار رمزية، وإشراك أصحابها في دورات تدريبية وإرشادية متخصصة، من شأنه أن يرفع كفاءة الإنتاج كماً ونوعاً وادخال التقنات الحديثة في زراعة البساتين. ويتكامل ذلك مع ضرورة ضبط المنافذ الحدودية، ومنع الاستيراد العشوائي، والالتزام الصارم بالروزنامة الزراعية، وعدم السماح للمتلاعبين بقوت الشعب بتجاوزها أو الالتفاف عليها.
إن العراق يمتلك إمكانات كبيرة تؤهله لتطوير قطاع بساتين الفواكه والخضر، وتحقيق نقلة نوعية في هذا الجانب من الزراعة، بما يسهم في تعزيز الأمن الغذائي وتقليل الاعتماد على الخارج. غير أن تحقيق ذلك يتطلب إرادة حكومية واضحة، وتنسيقاً فعلياً بين الجهات المعنية، وسياسات زراعية وتجارية تحمي المنتج المحلي وتضع مصلحة المواطن والاقتصاد الوطني في مقدمة الأولويات.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*مهندس زراعي استشاري