يعمل الذكاء الاصطناعي في صميم البنى التحتية المعاصرة ليس كأداة محايدة، بل كعامل بنيوي قوي يعيد تشكيل الواقع الاقتصادي والاجتماعي. لفهم هذا الدور، يجب الانتقال من رؤيته كمجرد تقنية إلى اعتباره "نظام تشغيل" جديد، يسهل ويعمق منطقها الأساسي المتمثل في الترشيد، والتراكم، وخلق الأسواق، واستخراج القيمة. هذا التحول يجري ضمن ما يمكن تسميته "حقل الوعي الاصطناعي"، وهو ليس مجالاً هندسياً يسعى لخلق وعي حقيقي في الآلات، بل هو حقل نقدي يحلل كيف تنظم أنظمة الذكاء الاصطناعي وتشكل تصوراتنا ورغباتنا وخياراتنا الجماعية، أي "وعينا" الاجتماعي.
آلية استخراج البيانات وتحويلها إلى سلعة
في قلب هذه العلاقة تكمن آلية استخراج البيانات وتحويلها إلى سلعة. كما أشارت عالمة الاجتماع شوشانا زوبوف في كتابها الأساسي "عصر رأسمالية المراقبة" (The Age of Surveillance Capitalism) ، لم يعد النشاط البشري مجرد أثر جانبي للخدمات الرقمية، بل أصبح المادة الخام الأساسية. تقوم منصات مثل "غوغل" و"فيسبوك" و"أمازون" بجمع كميات هائلة من البيانات السلوكية – كل نقرة، كل علاقة اجتماعية – ثم تستخدم الذكاء الاصطناعي، وتحديداً تقنيات التعلم الآلي والتنبؤية، لتحليل هذه البيانات واستخلاص أنماط منها. الهدف النهائي، حسب زوبوف، هو تطوير نماذج تنبؤية دقيقة للسلوك البشري يمكن تعبئتها وبيعها في "أسواق السلوكيات المستقبلية". هنا، يتحول الذكاء الاصطناعي إلى آلة استخراج جديدة، حيث يكون "النفط" الذي هو احد أهم المصادر حاليا سيتم استبداله بالخبرة البشرية نفسها، ويتم تكريرها إلى منتجات تنبؤية قابلة للتسويق، مما يعزز دورة تراكم رأس المال على نطاق غير مسبوق.
"رأسمالية المنصات"
هذه الديناميكية تغذي ما يسميه الاقتصادي نيك سيرنيك في كتابه "رأسمالية المنصات" (Platform Capitalism) بالتحول نحو نماذج الأعمال القائمة على الوساطة التي تتحكم فيها الخوارزميات. الشركات المهيمنة اليوم لا تمتلك بالضرورة الأصول المادية التقليدية، ولكنها تمتلك وتتحكم في البنية التحتية للوصول والتوصيل. تعمل خوارزميات الذكاء الاصطناعي كالقلب النابض لهذه المنصات، حيث تدير وتوجه التدفقات: تدفق البضائع على "أمازون"، وتدفق الرحلات على "أوبر"، وتدفق المحتوى على "تيك توك". تقوم هذه الخوارزميات بعمليات "المطابقة" بين العرض والطلب بطريقة تعظم الكفاءة والأرباح، كما تمكن "التسعير الديناميكي" الذي يغير الأسعار لحظياً بناءً على تقييم الخوارزمية للظروف السوقية واستعداد المستخدم للدفع. هذا يخلق أسواقاً سائلة فائقة الكفاءة من ناحية، ولكنه يمركز السلطة الاقتصادية في أيدي عدد قليل من الشركات التي تملك البيانات والخوارزميات الأكثر تطوراً، مما يؤدي إلى أشكال احتكارية جديدة كما توثق ذلك تقارير الهيئات المنافسة مثل المفوضية الأوروبية.
الكفاءة والترشيد
دور الذكاء الاصطناعي في تعظيم الكفاءة والترشيد، وهو السعي التاريخي للرأسمالية، يتجلى بقوة. كما لاحظ إريك برينجولفسون وآندرو مكافي في "عصر الآلة الثاني" (The Second Machine Age) ، فإن الذكاء الاصطناعي يقود موجة جديدة من الأتمتة لا تقتصر على المهام البدنية الروتينية فحسب، بل تمتد إلى المهام المعرفية. هذا يخفض تكاليف العمالة بشكل جذري ويحسن الإنتاجية في سلاسل التوريد والتصنيع والخدمات اللوجستية. لكن هذه الكفاءة ليست محايدة؛ فهي توجه بشكل أساسي نحو تقليل التكاليف وزيادة هوامش الربح، مما يعمق من أولوية القيمة المساهمة على القيمة الاستخدامية في عملية الإنتاج.
"حقل الوعي الاصطناعي"
إن التأثير الأعمق للذكاء الاصطناعي كأداة رأسمالية يتجلى داخل "حقل الوعي الاصطناعي". هنا، يتعدى دور الذكاء الاصطناعي إدارة السلوك إلى المشاركة في تشكيل الوعي والرغبة. أنظمة التوصية ليست مجرد مرايا لتفضيلاتنا الموجودة مسبقاً، بل هي محركات فعالة لـ"هندسة الرغبة". خوارزميات "نيتفليكس" أو "يوتيوب" لا تكتشف ما نريده فحسب، بل تختبر وتعلم ما الذي يحافظ على انتباهنا لأطول فترة – وغالباً ما يكون المحتوى العاطفي أو المستقطب – ثم تغرقنا به، مما يخلق حلقة تغذية راجعة تعيد تشكيل أذواقنا واهتماماتنا. هذه العملية، التي وصفها الناشط إيلي باريسير في كتابه "فقاعة الترشيح" (The Filter Bubble) ، تؤدي إلى عزل الأفراد في واقع معلوماتي مخصص، مما يقوض التجربة المشتركة ويجعلنا أكثر قابلية للتأثير والتوجيه نحو الاستهلاك.
أخيراً، يمكن فهم هذا النظام الشامل من خلال عدسة الفيلسوف ميشيل فوكو حول مفهوم "الانضباط" و"الحوكمة" . الذكاء الاصطناعي يخلق "حوكمة" رقمية: نظام مراقبة شامل وغير مرئي، حيث معرفة الفرد بأنه مراقب في كل لحظة (من خلال تتبع بياناته) تؤدي إلى "استبطان" هذه المراقبة. نبدأ في ضبط سلوكنا لأننا نعلم – ولو بوعي غير كامل – أن خياراتنا تُسجل وتحلل. هذه ليست قوة قمعية مباشرة، بل هي "حوكمة" كما سماها فوكو، حيث يصبح الأفراد شركاء نشطين في تنظيم أنفسهم وفقاً للمعايير الخوارزمية. بهذا المعنى، فإن حقل "الوعي الاصطناعي" هو مجال يتم فيه إنتاج "الذات" الرأسمالية الحديثة: ذات مستهلكة، مراقبة ذاتياً، وتوجهها خوارزميات تقدم لها خيارات مُعدة مسبقاً على أنها حرة.
خلاصة القول، إن الذكاء الاصطناعي هو الأداة الأساسية في البنى التحتية في القرن الحادي والعشرين. فهو يعمق منطق السوق من خلال استخراج قيمة جديدة من البيانات، ويدير المنصات التي تهيكل التبادل الاقتصادي، ويرفع الكفاءة إلى مستويات جديدة. ولكن الأهم من ذلك، من خلال آليات حقل "الوعي الاصطناعي"، فإنه يشارك بشكل فعال في تشكيل الوعي البشري نفسه، مما يخلق بيئة حيث يتم دمج الرغبة والانتباه والسلوك بشكل سلس في دوائر تراكم رأس المال، مما يمثل اندماجاً غير مسبوق بين القوة التكنولوجية والاقتصادية والاجتماعية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- ملخص للكتاب متوفر على الربيط التالي
https://drive.google.com/file/d/15-IOyXiKBwwQqupdWlPn4v7sx0b5swHZ/view?usp=sharing
2- ملخص للكتاب متوفر على الرابط التالي
https://drive.google.com/file/d/104VaYFs7d0baty8Ii2QBD1Qfr2QMVDbL/view?usp=sharing
3- ملخص للكتاب متوفر على الرابط التالي
https://drive.google.com/file/d/12TqDwblA0DVvdLYzGQKKK9bJ232uR39N/view?usp=sharing
4- ملخص للكتاب متوفر على الرابط التالي
https://drive.google.com/file/d/13t1iCupb6DIQJ2J4AWtmp_W0GmJN6p1A/view?usp=sharing
5- ملخص للمحاضرة متوفر على الرابط التالي
https://drive.google.com/file/d/16B_Dcenja28zxPFZgn5nl5ltkXvKxgmg/view?usp= sharing