اخر الاخبار

تتجه الحكومة العراقية في بداية السنة الجديدة نحو رفع التعريفات الجمركية وفرض ضرائب جديدة على عدد من السلع المستوردة، في خطوة تقدمها على أنها ضرورة لتعزيز الإيرادات وتنظيم السوق. ورغم أن هذه السياسات تبدو منطقية على الورق، فإن تطبيقها في بلد يعتمد بشكل شبه كامل على الاستيراد يثير جدلا واسعا بين الاقتصاديين والمواطنين على حد سواء. فبينما تستطيع دول تمتلك قواعد إنتاج قوية فرض الرسوم على البضائع الخارجية لحماية صناعتها المحلية، لا يبدو الأمر مجديًا في العراق، حيث إن ما يتم إنتاجه محليًا لا يغطي إلا نسبة ضئيلة من احتياجات الناس. في الدول الصناعية، تعتبر التعريفات الجمركية جزءًا من سياسة حماية المنتج الوطني. عندما تفرض الحكومة رسومًا إضافية على السلع المستوردة، يصبح شراء البضائع المصنّعة داخل البلد خيارًا اقتصاديًا أفضل للمستهلك. ومع زيادة الطلب، تزدهر المصانع ويزداد الاستثمار، فتخلق فرص العمل وتدور عجلة الاقتصاد. بعبارة أخرى، تتحول التعرفة الجمركية في تلك الدول إلى أداة لتعزيز الإنتاج المحلي، وليس مجرد وسيلة لتحصيل الأموال.

لكن الصورة في العراق مختلفة تمامًا. فالاقتصاد العراقي ما يزال يعتمد بشكل شبه كامل على الاستيراد، سواء في الغذاء أو الدواء أو الأجهزة المنزلية أو وسائل النقل. وعندما ترتفع الكمارك على هذه السلع، لا يجد المواطن أمامه بديلاً محليًا يلجأ إليه، مما يعني أن أثر الزيادة ينتقل مباشرة إلى سعر السوق وإلى جيب المستهلك.

وبما أن معظم العراقيين يعملون في وظائف ذات دخل محدود وغير مرتبط بنمو الإنتاج، فإن فرض المزيد من الرسوم يؤدي إلى نتيجة واحدة واضحة: ارتفاع تكاليف المعيشة وتفاقم الضغط على الفئات الفقيرة والمتوسطة.

الحكومة من جانبها تؤكد أن هذه الرسوم تهدف إلى حماية السوق الوطنية من إغراقه ببضائع أجنبية رخيصة، ولكن الواقع يشير إلى أن السوق المحلية لا تمتلك ما تحميه بعد. فحتى الصناعات الموجودة تعمل بطاقة محدودة، وتعاني مشكلات معروفة: ضعف الكهرباء والغاز، تقادم المعدات، نقص الخبرات الفنية، والبيئة الاستثمارية المعقدة. لذلك فإن فرض التعريفات قبل معالجة هذه التحديات يشبه وضع سقف قبل بناء الجدران.

العديد من الاقتصاديين يرون أن الطريق الأكثر واقعية يبدأ بدعم الصناعة المحلية بدلًا من تحميل المواطن أعباءً جديدة. الخطوات المطلوبة بسيطة في ظاهرها لكنها صعبة التنفيذ: دعم المستثمرين، توفير الطاقة بأسعار مناسبة، تشجيع المصانع الصغيرة والمتوسطة، وتطوير التعليم المهني الذي يرفد القطاع الصناعي بالمهارات المطلوبة. ومع تراكم هذه الأسس، يمكن للعراق أن يبدأ تدريجيًا بتقليل الاعتماد على الاستيراد، وصولًا إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي الجزئي ثم الكامل في بعض القطاعات الحيوية.

عندها فقط يصبح فرض التعريفات الجمركية سلاحًا اقتصاديًا فعالًا، لا عبئًا اجتماعيًا، إذ يتحول من قرار يجبر المواطن على دفع أسعار أعلى دون بديل، إلى أداة توجهه لاختيار المنتج الوطني عن قناعة وجودة وتكلفة.

في النهاية، يمكن القول إن الضرائب والرسوم ليست سياسة خاطئة بحد ذاتها، ولكنها تفقد معناها ومعقوليتها إن لم تسبقها سياسة صناعية حقيقية. فالدول لا تصبح صناعية لأنها تفرض كمارك، بل لأنها تبني مصانع وتوفر بيئة إنتاج وتنافسية. أما قبل ذلك، فإن المواطن هو الذي يدفع ثمن القرارات على الفور، بينما تبقى الفوائد المحتملة معلقة في المستقبل.