أولًا، بخصوص اللوحة السياسية التي أفرزتها الانتخابات الأخيرة، يمكن القول بوضوح إن النتائج لم تكن مفاجِئة بقدر ما كانت كاشفة. لقد أعادت الانتخابات إنتاج موازين قوى مختلّة، كرّست نفوذ المال السياسي، والسلاح المنفلت، وشبكات المصالح، على حساب المشروع الوطني الديمقراطي. وهي انتخابات لم تُخفق فيها القوى المدنية فقط داخل صناديق الاقتراع، بل تعثّر حضورها قبل ذلك في شروط المنافسة غير العادلة.
ثانيًا، إن انعكاسات هذه الموازين على عمل القوى المدنية والديمقراطية خطيرة إن لم تُقرأ بعمق. فنحن أمام واقع مؤسسي مغلق، يضيّق الفضاء السياسي، ويضع حركات الاحتجاج أمام تحدي الاستمرار دون أفق سياسي منظم. وهذا يستدعي الانتقال من ردّ الفعل إلى الفعل المنظم طويل النفس.
ثالثًا، في ما يتعلق بضعف القوى المدنية والديمقراطية في الانتخابات، لا بد من الاعتراف بأن التشظي كان عاملًا حاسمًا. تشظي البرامج، وتشظي الخطاب، وتشظي التنظيم. لقد دخلنا الانتخابات بقوى متعددة، لكن دون مشروع جامع أو قيادة سياسية موحدة قادرة على إقناع الشارع بجدوى البديل. ضعفنا لم يكن فقط نتيجة القمع أو التزوير، بل أيضًا نتيجة أخطاء ذاتية علينا الاعتراف بها بشجاعة.
رابعًا، أقدّر عاليًا مبادرة الحزب الشيوعي العراقي في إجراء مراجعة شاملة. ومن موقع الحرص، أرى أن أي تقييم حقيقي يجب أن يذهب إلى تجديد الخطاب السياسي بما يلامس هموم الناس اليومية لا اللغة النخبوية فقط، وإعادة الاعتبار للتنظيم القاعدي والعمل الميداني، وبناء تحالفات على أساس برنامج واضح لا مجرد تنسيق انتخابي عابر، والانفتاح الجاد على النقد، خصوصًا من الحلفاء والقوى القريبة فكريًا.
خامسًا، إن القاعدة الاجتماعية للمشروع الوطني الديمقراطي موجودة وواسعة، لكنها غير منظمة. الشباب، العمال، الكادحون، الموظفون، النساء، والطبقة الوسطى المتآكلة. تجاوز الطابع النخبوي لا يكون بالشعارات، بل بالنزول إلى هذه الفئات، والاستماع لها، وإشراكها في القرار، وليس الاكتفاء بتمثيلها خطابيًا. العلاقة مع الشباب تحديدًا تحتاج إلى أدوات جديدة، لغة جديدة، وقيادات شابة حقيقية لا رمزية.
ختامًا، وفي إطار الاستعداد الجاد للمرحلة المقبلة، نؤكد أن الاستعداد لأي استحقاق سياسي قادم لا ينبغي أن يُختزل بعقلية الانتخابات وحدها، بل بعقلية التغيير التراكمي طويل النفس. فنحن أمام مهمة نضالية ممتدة، تستهدف ليس فقط خوض الانتخابات، بل تغيير شروط العملية الانتخابية نفسها، والبيئة السياسية والقانونية غير العادلة التي تُدار ضمنها، بما في ذلك قوانين الانتخابات، وتمويل الحملات، وهيمنة المال السياسي، والسلاح المنفلت، وتأثير شبكات النفوذ.
إن القاعدة الاجتماعية لأي مشروع وطني ديمقراطي حقيقي تتمثل، اليوم، بالشباب. وقد دلّت تجاربنا القريبة، كما لاحظنا بوضوح في مهرجان طريق الشعب وفعالية «أنا أقرأ»، على حضور شبابي واسع ومتنوّع، ليس بالضرورة من الشيوعيين أو اليساريين أو الديمقراطيين تقليديًا، لكنه حضور واعٍ ومتفاعل ومهتم بالشأن العام. وهذا يؤكد أن الشباب لم يبتعدوا عن السياسة، بل ابتعدوا عن صيغها التقليدية القديمة، فيما ظلّوا فاعلين في ساحات الاحتجاج، وفي الفضاء الرقمي، وفي المبادرات التطوعية والمجتمعية.
ومن هنا، فإن المطلوب ليس جرّ الشباب إلى الأطر التنظيمية الجامدة، بل تحديث أدواتنا السياسية والتنظيمية، وتطوير أساليب العمل، وإشراكهم بشكل فعلي في القيادة وصنع القرار، لا بشكل رمزي أو شكلي. إن التعامل مع الشباب بوصفهم طاقة انتخابية فقط يُفقدنا جوهر المشروع، بينما المطلوب هو التعامل معهم بوصفهم شركاء في صياغة الرؤية، وفي تحديد الأولويات، وفي قيادة الفعل السياسي والاجتماعي.
كما أن الاستفادة من هذه الطاقات تستوجب إعادة تفعيل تجمعاتنا وانفتاحها على الفضاء العام، مستلهمين تجاربنا السابقة حين كانت اللقاءات تُعقد بصورة منتظمة، جمعة بعد جمعة، في ساحات مفتوحة خارج المقرات الحزبية، كساحة التحرير أو حدائق أبي نؤاس. لقاءات تكون مفتوحة للجمهور، منظَّمة بجدول معلن، وتُطرح فيها نقاشات حقيقية حول قضايا تمسّ حياة الناس اليومية، مثل الكهرباء، السكن، سلم الرواتب، الخدمات، إلى جانب أي ملفات أو مستجدات تفرض نفسها على الواقع العام.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية التمييز الواعي بين الخطاب السياسي الداخلي، الضروري لتنظيم العمل وتوحيد الرؤية، وبين الخطاب الموجّه للجماهير، الذي يجب أن يكون واضحًا، بسيطًا، ومتصلاً بوعي الناس وتجاربهم المباشرة، بعيدًا عن اللغة النخبوية أو الشعارات العامة غير القادرة على التعبئة والتأثير.
وأخيرًا، لعل النقطة الأهم التي ينبغي أن تتقدّم ما سبق كلّه، هي العمل الجاد على بناء تحالف ديمقراطي ثابت، لا ظرفي ولا موسمي، للدخول في أي انتخابات قادمة، تحالف يمتلك برنامج حدّ أدنى واضح، ورؤية سياسية وبصرية ثابتة، وخطابًا موحدًا، وآليات عمل مشتركة، بما يعزّز الثقة الشعبية، ويقدّم نفسه بوصفه بديلًا وطنيًا ديمقراطيًا جادًا، لا مجرد تجميع انتخابي مؤقت
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* المنسق العام للتيار الديمقراطي العراقي