اخر الاخبار

بمصادقة المحكمة الاتحادية على نتائج الانتخابات البرلمانية للعام 2025 ، ذهبت جميع التوقعات بإلغاء الانتخابات أدراج الريح!،  وذهب معها ما يترتب على هذا الإلغاء من تحولات مأمولة في المشهد السياسي تعيد الثقة بإمكانية تحقيق حلم الديمقراطية، ودولة المؤسسات، والعدالة الاجتماعية، فقد كانت هذه التوقعات السهم الأخير في كنانة الأمل بتحقيق هذا الحلم الذي بذل الشعب العراقي من أجله تضحيات طوال عقود من عسف الدكتاتورية ، بمختلف مراحل تاريخ الدولة العراقية الحديثة، لذلك حرصت القوى المدنية  والديمقراطية على تأكيد حضور مميز في هذه الانتخابات لمعالجة الأخفاقات التي اعترت بعض مفاصلها، وتحصينها قبل اختطافها، وتغيير مساراتها من قوى تمثل اجندات خارجية، ودكتاتوريات جديدة، وتحالفات بين الرجعية وبقايا الأقطاع وعصابات الفساد المتضامنة في عمليات السرقات الكبرى التي صارت لها أسماء وعناوين معروفة مثل أي شيء عياني في البلاد! .

لقد أدركت القوى المدنية بمختلف توجهاتها، هذا خطورة المرحلة، فعملت على تنظم صفوفها، وعمل ما تعتقده صحيحا في إيقاف هذا التآكل في حلم الديمقراطية، ومن ثم تصحيح المسار وصولا إلى دولة مدنية تحتكم إلى الدستور، والقوانين ، سواء بتنسيق عملها في تحالفات وقوائم ذات أهداف مدنية وليبرالية ، أو بطرح برامجها بطريقة تقليدية وبسيطة في مواجهة عمل دعائي غير مسبوق لأحزاب السلطة وأعوانها، وكان الفرق بين العمل الدعائي والترويجي للقوى المهيمنة على السلطة ، والأحزاب المدنية، إشارة أولية لرهان القوى المدنية على وعي المواطن  بما يحيق بمستقبله من أخطار، خاصة بعد ان صارت فضائح السرقات، والانهيارات الاقتصادية، والسياسية في الدولة  اخبار يومية لا تحتاج إلى دليل، معتقدة – أي القوى المدنية،  أن الظروف الأمنية المستقرة على نحو لم تشهده البلاد في اية انتخابات سابقة قد تتيح للمواطن هذا المقدار من الوعي، وتأمل واقعه من دون ضغوط، أو توظيف للازمات الامنية  من قبل القوى الماسكة بالسلطة مثلما كان يحدث في السابق!. لذلك صار يُنظر إلى هذه الانتخابات بوصفها حلبة صراع  بين مرحلتين، او اتجاهين ، ستكون نتائجها بمثابة بلاغ ختامي يؤكد وجود الديمقراطية بمضامينها الحقيقة، الصادقة ، أو يعبر عن سلب هذه المضامين واستغلالها باتجاه تهيئة المناخ لصعود دكتاتوريات جديدة، أو استدراج احتلالات جديدة !.

لم تكن توقعات إلغاء نتائج الانتخابات وإعادتها ، مجرد أمنيات لعاجزين، أو خاسرين، أو مشككين بالنظام السياسي الجديد، بل كانت توقعات مبنية على معطيات واضحة المعالم لدى طيف واسع من الفعاليات الاجتماعية، والثقافية، والإعلامية - وحتى السياسية المشاركة في الانتخابات، منها استبعاد المفوضية العليا للانتخابات ل ( 837) مرشحا قبل إجراء الانتخابات ، يُفترض انهم اجتازوا متطلبات الفحص الأولية من قبل قوائمهم، وأحزابهم في أقل تقدير! ، وهذا عدد كبير يدلل على المشاق التي تحملتها المفوضية لإدارة انتخابات نزيهة، مثلما يشير أيضا إلى عدم جدية القوائم والأحزاب بالحرص على الألتزام بشروط الترشح، والمشاركة، ما فتح باب التأويل على مصراعيه، خاصة بعد استبعاد مرشحين آخرين فائزين عقب إجراء عمليات الأقتراع ، وكان استبعاد بعض هؤلاء بطريقة فضائحية مثيرة تكشف الكثير من جوانب هشاشة الدولة ، وتعطي تبريرا بتوقع الكثير من هذه الخروقات في الغاطس الذي لم يكشف عنه حتى الآن ، وربما تم التواطؤ بين  مؤسسات معنية على إخفاء وطمس آثارها، خشية ان يؤدي كشفها إلى تهديد سلامة العملية السياسية برمتها، غير أن هذا كله سيكون على حساب الثقة بالانتخابات والركون إلى نتائجها في تشكيل حكومة جديدة وضع الجميع أولوياتها في مكافحة الفساد !.

أما غير ذلك من المؤشرات التي استندت عليها توقعات الألغاء ، فهناك الكثير من الخروقات المسجلة على الأحزاب المتنفذة، والمرشحين وسائل الإعلام، في مقدمة هذه الخروقات توظيف موارد، وسلطات الدولة في الترويج، والدعاية الانتخابية، واستغلال الصلاحيات الإدارية، والقانونية في استدراج، أو ابتزاز المواطنين والموظفين للحصول على أصواتهم بشكل علني من دون تحسب أو أخوف ، سواء بمنح (المكرمات)، أو بالتهديد والتعسف في استخدام هذه الصلاحيات !، و يمكن لأي جهة محايدة الاطلاع على ذلك بمراجعة أضابير الموظفين في دوائر بعينها والتأكد من كتب الشكر والترفيعات التي مُنحت لهم قبل الانتخابات ، أو إصدار أوامر التعينات بطلب من مرشحي القوائم المتنفذة، وكذلك ما تم تداوله في الإعلام من قوائم ترفيعات للعسكرين ، وكذلك شراء الأصوات بالمال بشكل علني قرب مراكز الانتخابات وهو ما اكد الكثيرون على مشاهدته،  كما ظهرت اعترافات لما سميّ ب ( الركائز) – وهم أشخاص يعملون على جذب الأصوات للمرشحين مقابل مبلغ مادي ، وكانت فضيحة كبيرة عندما تظاهر بعضهم ضد مرشحين أخلّوا بالاتفاقات معهم، ولم يمنحوهم المبالغ المالية المتفق عليها ، وقد قوبلت هذه (الفضيحة ) بالصمت من قبل الجهات المعنية. وظاهرة ( الركائز) ظاهرة جديدة لتقنين ، وشرعنة الفساد وتخل بنزاهة التصويت لم تعرفها أي من الانتخابات السابقة !!.

ولعل اهم الوقائع التي تعزز توقعات الألغاء، هي تصريحات عضو بارز في قائمة الاعمار والتنمية، ومقرب جدا من رئيس مجلس الوزراء، أكد وجود تلاعب في نتائج الانتخابات، واتهم جهات خارجية بتنفيذها! هذا التصريح يشكل حجة للمراجعة وإعادة التقييم كونه اعترافا صريحا من داخل قائمة الحكومة المسؤولة عن الانتخابات!، لكنه أُهمل وتم تجاهله مثل بقية المؤشرات!

هذا توصيف سريع، ومختصر للبيئة التي جرت فيها الانتخابات ، يشير إلى مقدار التلوث والأوبئة التي غطت فضاء هذه البيئة، عدا ما خفيّ في زواياها، وهو تلوث يجعلها بيئة غير صالحة لاجراء انتخابات يعوّل على نتائجها في انتاج حكومات قادرة على حل معضلات البلاد وتجاوز أزماتها !.

بقي هناك الكثير الذي لم نتطرق إليه، ومنه بذخ مهرجانات الدعايات الانتخابية التي قدرت الأموال التي صُرفت عليه بميزانيات دول كاملة ولم تنبرِ أية جهة رقابية للسؤال عن مصدر الأموال المصروفة عليها. وهناك معطى آخر لهذا البذخ إذا ما قورن بدعايات مرشحي القوائم المدنية ، ففي حين كان لبعض مرشحي الاحزاب المتنفذة آلاف الصور والبوسترات ، كانت هناك صورة واحدة لمرشح من التيارات المدنية.ونرجو ان لايُتخذ سببا لتبرير تراجع وخسارة التيارات المدنية ، بل يدعوها لإعادة تقييم واقعها، وعملها، وكذلك سلوكها، بشجاعة وموضوعية تعيد مسار عملها من جديد؛ أحزاب مدنية عريقة يشكل تاريخها جزءا حيويا من تاريخ العراق ، وتمتلك بنية فكرية ، وسمعة طيبة، تتراجع أمام أحزاب لم يمض على تأسيسها سوى سنوات أقل من أصابع اليدين، وهذا وحده قضية تستحق الدراسة وإعادة التقييم بشكل منهجي ، يأخذ بنظر الاعتبار جميع العوامل من دون ترفع على معطيات الواقع.

ولأن الديمقراطية هي سلوك للافراد والمؤسسات ، لا يقتصر وجودها على الانتخابات وحدها ، فأن ما يزيد مساحة القلق لدينا ليست النتائج ، وانما موقف مؤسسات الدولة والمواطنين ، والفعاليات الثقافية والسياسية والاعلامية والاجتماعية إزاء نتائج انتخابات بهذه المواصفات ، فقد تكون هذه النتائج وما أثير حولها من شكوك هي بلاغ  لنهاية  الحلم بحياة ديمقراطية لم تكتمل، وتنبيه من مناخ يشجع على ظهور دكتاتوريات جديدة، سيخضع لها المواطن مرغما بعد أن يخب ظنه بالديمقراطية برغم محاولاته العديدة لتحقيقها ، محاولات عمُدت بالدماء والتضحيات، وهذا جل ما نخشاه !.