اخر الاخبار

لقد انقضى أكثر من شهر على إجراء الانتخابات البرلمانية في العراق، وفي مستهل الأمر يجب التأكيد هنا على أن القيام والمشاركة بالانتخابات يمثل نقلة نوعية صحيحة في الحياة الاجتماعية والسلوك السياسي في البلاد.

اما كيفية وتفاصيل أجواء الانتخابات التي جرت وما رافقها من سلبيات وخروقات غير دستورية ومجحفة فهو موضوع لا ينفي ضرورتها ولا يستدعي مقاطعتها أو عدم إجرائها.

لقد شاركت القوى المدنية ومن ضمنها الشيوعيون بهذه الانتخابات وبكل صدق ونزاهة وطنية، رافعين شعاراتهم ومعلنين برنامجهم التي لخصوها بالمطالبة بالمواطنة الحقة وتطبيق العدالة الاجتماعية.  وهذه شعارات صحيحة وتشخيص دقيق لحاجات ملحة تتوافق مع حاجات المرحلة والوضع الذي تمر به البلاد حاليا. ولكن وللأسف لم تحظ هذه الشعارات الصحيحة بالفوز بأصوات غالبية الناخبين العراقيين. ويمكن عزو ذلك إلى ما يلي:

1- مقاطعة غالبية كبيرة من العراقيين وعزوفهم عن المشاركة بالانتخابات. ومنهم الكثير من الفئات المتضررة من نظام المحاصصة والطائفية.

2- استخدام قوى المحاصصة لشعارات وحملات إعلامية تضلل وتحرف وعي المواطن عن مصالحه وحقوقه الأساسية وتثير نزعات الخوف من التهميش الفئوي والطائفي المختلق من خلال تلفيق وخلق عداوات وصراعات فئوية وطائفية مفتعلة.

3- استخدام القوى الطائفية، وخاصة تلك التي لها تنظيمات مسلحة مليشياوية، أساليب الترهيب والاكراه والابتزاز لإجبار المواطنين على التصويت لصالح هذه القوى المليشياوية.

4- استخدمت أحزاب الطوائف ومليشيات المحاصصة الأموال المنهوبة لشراء الذمم ورشوة كثيرين من الفئات المسحوقة وغير الواعية، للتصويت لها.

5- شهدت ممارسات المؤسسات المعنية بمراقبة وضمان نزاهة الانتخابات كثير من الثغرات ومن أبرزها السماح بمشاركة أحزاب وتنظيمات وفئات وأشخاص لهم علاقة أو لديهم تنظيمات مليشياوية مسلحة، وهذه مخالفة قانونية دستورية واضحة.

6- شملت الحملة التي شنتها جوقة أحزاب المليشيات والمحاصصة الطائفية، شن هجمات تلفيق كاذبة ومضللة لتشويه أهداف وسلوك وبرامج القوى المدنية، باستخدام وسائل ووسائط الإعلام التي تهيمن عليها.

7- وقام بعض من يتظاهر ويحسب نفسه على قوى المدنية واليسار للمساهمة في مهاجمة شخصيات المرشحين من الحركة المدنية والحزب الشيوعي وبطروحات شعبوية “  ثورجية انعزالية”، ولكن أيضا سمعنا وقرأنا آراء وطروحات نافعة تستحق التأمل والتمحيص والتفكير.

ان نظرة متمحصة للوضع لا تتيح لنا تسمية عدم فوز مرشحين القوى المدنية في الانتخابات بفشل او خسارة بشكل سطحي، فيجب تثبيت ما حققه هؤلاء المرشحين من نتائج مفيدة أيضا، لا يمكن تجاوزها، فهم:

أولا، قد رسخوا لمبدأ مهم في الثقافة السياسية للبلاد وهو أسلوب الانتخابات كسبيل وحيد للحكم وتنفيذ البرامج والأهداف السياسية. رافضين أساليب الجريمة والعنف والحروب الأهلية والإرهاب للوصول إلى السلطة.

ثانيا، أعلنوا وبشروا وثقفوا ببرنامجهم الوطني الذي يقدم مصلحة الناس على المصالح الطائفية الضيقة وبجدية.

ثالثا، قدموا أدلة ملموسة وبرهنوا على نزاهتهم وصدقهم بسلوكهم النزيه والمتميز في خوض الانتخابات. فقد نبذوا التعصب العشائري والانحياز الطائفي والإثني والقومي، ورفعوا شعار المواطنة ومصالح الشعب العراقي بكل فئاته فوق كل شيء.

رابعا، فضحوا بسلوكهم، أساليب الأحزاب والفئات الفاسدة المهيمنة التي وظفت سطوتها على السلطات والمؤسسات الرسمية وضخت الاموال بشكل غير شرعي لتزييف وحرف نتائج الانتخابات.

خامسا، قدموا مثالا في التضحية من أجل المبادئ الوطنية ومنهم من تعرض للقمع والاقصاء بشكل واضح وجلي.

ولكن نتائج الانتخابات علمتنا أيضا، أن فعالية الشعب والرأي العام للضغط وتحويل موازين القوى لصالح المواطن لاتزال ضعيفة. فالقوى السياسية الوطنية المخلصة لوحدها لا تستطيع تغيير موازين القوى بدون مساهمة الحشود الشعبية. وهذا يدفعنا إلى التعمق في البحث عن أسباب هذا الموقف السلبي والضعيف ولماذا تتجنب غالبية من المواطنين المساهمة في العمل من أجل التغيير باستخدام الاساليب الديموقراطية والقانونية؟

وهنا يمكننا تحديد الملاحظات التالية:

1- تراجع في دور النقابات والمنظمات المدنية والجماهيرية والمهنية في العمل لتوعية فئات الشعب بمصالحها، فكثير منها مخترق من قبل أحزاب وفئات الفساد، وحتى أن بعض هذه الأحزاب قامت بتأسيس منظمات مدنية تابعة لها. وهنا يجب إعادة النظر وتقييم هذه المنظمات والأساليب والقوانين التي تم ترخيصها بها، إضافة لوضع رقابة فعالة على ممارسة عملها وكيفية تنفيذه وتوافقه مع الدستور والقوانين النافذة.

2- شيوع استغلال مؤسسات وسلطات الدولة وعدم التزامها بالدستور، الا بشكل انتقائي لمصلحة فئات النفوذ والفساد. 

3- شيوع الفساد والرشوة في كثير من مؤسسات الدولة، مما ادى إلى خوف المواطنين على مصالحهم والخضوع لإرادة أحزاب وقوى الفساد او اعتكافهم وانعزالهم نتيجة شعورهم بجبروت قوى الفساد وهيمنتها الواسعة على السلطات والقوى المتنفذة وعدم جدوى التغيير.

4- استغلال المؤسسات الإعلامية والدينية والثقافية من قبل الأحزاب والمجاميع المتنفذة لفرض سلطتها.

5- استغلال قطاع التربية والتعليم الحيوي من قبل قوى المحاصصة والطائفية، مثل المدارس والجامعات والمؤسسات التعليمية، في إشاعة الشحن الطائفي والترويج لهيمنة احزاب الفساد والنفوذ، واضعاف التربية بالروح الوطنية الجامعة.

6-  استخدام منظمات مسلحة، ومنها من هو مدعوم من قبل اجهزة اقليمية، وخلط الاوراق من خلال اختراق المؤسسات الامنية واستغلالها لقمع احتجاجات ومطالب الفئات الشعبية.

 إن الديموقراطية تتطلب وجود مواطنين واعين ومشاركين حقيقين في بناء الدولة والوطن لكي تكون مؤثرة بفعالية واستدامة. لذا يعتبر وعي المواطنين عنصرا أساسيًا في ترسيخ المبادئ الديمقراطية، ومتابعة ومحاسبة قادة السلطة، وضمان أن تعكس قرارات السلطات إرادة الشعب ومصالحه.

ومن الأسباب الرئيسية التي تؤكد حاجة الديمقراطية للوعي:

- أن الوعي عامل حاسم في صنع القرار المستنير لكي يمنح المعنى والمحتوى الصحيح للديموقراطية، ويسهل على المواطنين فهم القضايا المعقدة، ومعرفة الحقائق، والقدرة على التقييم النقدي للمعلومات والحجج السياسية. والوعي يمنع تلاعب الشخصيات الشعبوية بآراء المواطنين وعواطفهم، ويساعد الناس على اتخاذ قرارات واعية خلال الانتخابات والمناقشات السياسية.

- والوعي عامل حاسم في ممارسة المساءلة والشفافية، فالجمهور الواعي يكون أكثر قدرة على التدقيق في أعمال الحكومة ومحاسبة المسؤولين والسلطات على قراراتهم. فبدون ممارسة الرقابة، قد يقوم الحكام والسياسيون بالحكم وفقا لإرادتهم وأولوياتهم ومصالحهم الخاصة، مما يؤدي إلى الفساد أو سوء الإدارة.

- والوعي يحفز على المشاركة الفعالة وهو محرك رئيسي للمشاركة المدنية، المشاركة المدنية أمر بالغ الأهمية لنجاح الديمقراطية. ويعتبر المواطنون الواعون أكثر ميلا للمساهمة والتصويت في الانتخابات، والمشاركة في النقاشات الاجتماعية، والانضمام إلى جماعات المصالح، والقيام بالاحتجاج عند الضرورة، مما يضمن نظامًا سياسيًا حيويًا وتمثيليا لفئات الشعب.

- يساهم الوعي في حماية الحقوق والحريات العامة، فهو يساعد على الفهم العميق للقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان والمواطنة وعلى إدراك متى تتعرض هذه المبادئ للتهديد. ويمكن الوعي الأفراد والجماعات من الدفاع عن أنفسهم وعن الآخرين، وهو أمر بالغ الأهمية للحفاظ على العدالة ومجتمع عادل ومنصف.

- يؤسس الوعي لبناء واقع مشترك (وليس عوالم مختلفة متباينة) في المجتمع، ففي عصر التضليل والاستقطاب، يعد بناء واقع مشترك قائم على الحقائق والصدق امرا جوهريا لديمقراطية فاعلة. ويُساعد الوعي، الذي يُنمّى من خلال التعليم*  واتباع نظام معلوماتي سليم، المواطنين على التعامل مع تعقيدات المشهد المعلوماتي، ويُعزز التماسك الاجتماعي اللازم للتعاون والتوافق.

- يؤسس الوعي للثبات والصمود في وجه الأزمات، فعندما يدرك المواطنون مسؤولياتهم الشخصية وتجاه المجتمع تستجيب الديمقراطيات بشكل جيد للأزمات التي تواجهها. فيستطيع الشعب الواعي أن يتحد في مواجهة التحديات مثل الانكماش الاقتصادي أو التحديات البيئية، مما يُعزز الثقة في الأنظمة والمؤسسات الاجتماعية في الدولة الديمقراطية.

في نهاية المطاف، فأن الديمقراطية حوار مستمر وعملية تطوير دائمة تتطلب اهتمامًا ومشاركةً دؤوبة من قبل المواطنين لكي تزدهر. والديمقراطية بحاجة إلى مواطنين قادرين على التفكير، لا مجرد تنفيذ الأوامر والطاعة العمياء للإجراءات.

بالرغم أن هذه الانتخابات اتسمت بنسبة مشاركة أكبر من سابقتها، إلا أننا مازلنا نلاحظ تأثير الشعبوية والروح الفئوية الطائفية على مزاج الكثير من الناخبين نتيجة انحسار الوعي الوطني، نتيجة ممارسات احزاب المحاصصة المهيمنة. وهذا درس للقوى المدنية التي عليها أن تدرك أن النسب العالية من المشاركة لا تعني بالضرورة صحة المنظومة الانتخابية ولا تعكس الوعي بمصالح أغلبية الناس. وهذا يؤكد ضرورة استمرار العمل وتشديده في مجال التوعية بالمصالح الوطنية. 

وعلينا تعلم الدرس وعلينا التأكيد على ضرورة الانتباه إلى مناهج التعليم وتحسينها لتصبح مناهج تخدم التربية بتعليم وطني مدني شامل يقوم على المحتوى الانساني المدني والتثقيف بالدستور ومبادئ الديموقراطية، وتشجيع فئات الشباب المتعلم والمثقف على المشاركة في الحياة السياسية.

إن استمرار هيمنة الطائفية والمحاصصة المرتبطة بالفساد يؤدي إلى تدهور وضع وطننا وظروف معيشة المواطن، وهذه مؤشرات لشبابنا تنذر بالخطر. وعلينا عدم النكوص، بل مواصلة العمل الشاق والصبور الذي ربما سيستغرق وقتا، ودعونا نتذكر أن الديموقراطية تتطلب مواطنين واعين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* رعد موسى الجبوري، التعليم وإعداد المواطن للديمقراطية.. تشجيع التفكير النقدي، طريق الشعب العدد 14 السنة 90 الأحد 7 أيلول 2025.