اخر الاخبار

إن قرار المجلس الاقتصادي في مجلس الوزراء العراقي بتخفيض سعر طن الحنطة المسلّمة إلى الدولة، وما تبعه من مصادقة مجلس الوزراء عليه، يثير تساؤلات جدّية حول آثاره السلبية على شريحة واسعة من الفلاحين والمزارعين العراقيين، الأمر الذي يستدعي إعادة النظر فيه بصورة عاجلة.

فقد أقدم المجلس الاقتصادي، قبل أيام، على تخفيض سعر طن الحنطة المستلمة من الدولة إلى (200 ألف) دينار، أي بنسبة تقارب (20 في المائة)، وجاء هذا القرار بعد أن كان الفلاحون والمزارعون قد باشروا بزراعة أراضيهم منذ أكثر من شهر، اعتمادًا على السعر السابق، وفي وقت كانت فيه الخطة الزراعية المعلنة تشمل زراعة ما يقارب (4.5) ملايين دونم، منها (3.5) ملايين دونم في الأراضي الصحراوية وأراضي البوادي.

وتجدر الإشارة إلى أن هذه الأراضي تعتمد بشكل أساس على المياه الجوفية، وكان من شروط زراعتها استخدام تقنيات الري الحديثة، ولا سيما المرشّات. ومن المعلوم لدى الجميع أن هذه المناطق بعيدة عن مراكز المدن، وتفتقر في الغالب إلى الطاقة الكهربائية، ما يفرض على المزارعين تشغيل المرشّات والغطاسات في الآبار بواسطة المولدات الكهربائية المعتمدة على وقود الديزل، وهو ما يؤدي إلى مضاعفة الكلف بشكل كبير.

ولا تتوقف الأعباء عند هذا الحد، إذ تضاف إليها كلف شراء المرشّات نفسها، وهي ذات أسعار مرتفعة، فضلًا عن طبيعة الأراضي الرملية الصحراوية، المعروفة بخلوها من العناصر الغذائية والأملاح والمعادن الضرورية لنمو المحاصيل. وهذا الواقع يفرض على الفلاحين شراء أنواع متعددة ومضاعفة من الأسمدة، سواء النتروجينية أو المركّبة، من أجل تحسين خصوبة التربة، وبأسعار مرتفعة أيضًا.

كما ترتفع كلف الحراثة والتنعيم نتيجة بُعد المسافات ورداءة الطرق وصعوبتها، إضافة إلى أجور النقل العالية، فضلًا عن الحاجة إلى استخدام أنواع مختلفة من المبيدات، بدءًا من مبيدات الأدغال، مرورًا بالمبيدات الحشرية والفطرية، وكلها تُعد من المستلزمات ذات الكلفة الباهظة.

وقبل كل ذلك، يضطر الفلاحون والمزارعون إلى استخدام البذور الأجنبية المستوردة بدلًا من المحلية، بسبب عدم توفر الأخيرة أو تدني جودتها. وقد وصلت أسعار البذور المستوردة إلى مستويات مرتفعة، إذ تتراوح بين مليون ومئتين وخمسين ألف دينار إلى ثلاثة ملايين دينار للطن الواحد، تبعًا لنوعها ومنشئها.

ويضاف إلى ما سبق ارتفاع كلفة العمالة في المناطق البعيدة، فضلًا عن اندثار المكائن والآليات الزراعية نتيجة كثافة الاستخدام وظروف العمل القاسية. وبذلك أصبحت كلفة زراعة الدونم الواحد في الأراضي الصحراوية وأراضي البوادي تتراوح بين (650 ألفًا) و(750 ألف) دينار.

وبناءً على هذه المعطيات، فإن الفلاحين والمزارعين سيتعرضون إلى خسائر كبيرة، لا سيما أن تسعيرة الطن الواحد من الحنطة، وفق قرار المجلس الاقتصادي، حُدّدت بـ (650 ألف) دينار فقط، في حين أن إنتاج الدونم الواحد في الأراضي الصحراوية يقل عن طن واحد، إذ يبلغ بمعدل (900) كيلوغرام تقريبًا. وهذا يعني أن جميع المنتجين، من فلاحين ومزارعين، سيكونون أمام خسائر مؤكدة.

ولا شك أن هذه الخسائر ستنعكس سلبًا على مستقبل الزراعة في هذه الأراضي، خصوصًا في ظل عدم قدرة الفلاحين والمزارعين على تحمّل أعباء إضافية، في وقت تتراكم فيه عليهم الديون من السنوات السابقة، فضلًا عن عدم تسديد مستحقاتهم عن منتجاتهم السابقة من قبل الدولة.

وانطلاقًا من كل ما تقدم، نعتقد جازمين أن هذا القرار لم يُدرس بالشكل الكافي، ويتطلب إعادة نظر جادة، وصولًا إلى إلغائه، والإبقاء على السعر السابق البالغ (850 ألف) دينار للطن الواحد، بوصفه سعرًا مجزيًا يحقق التوازن بين مصلحة الدولة وحماية الفلاح والمنتج المحلي، ويسهم في تعزيز الأمن الغذائي للمواطن العراقي.

ــــــــــــــــــــــــــ

مهندس زراعي استشاري*