اخر الاخبار

ما الذي أوصل الزراعة في العراق إلى مرحلة استيراد بذور الحنطة من الخارج، والعزوف عن زراعة الأصناف المحلية التي شكّلت لعقود طويلة ركيزة الأمن الغذائي الوطني؟ سؤال يفرض نفسه اليوم بقوة، في ظل تحوّل العراق من بلد يحقق الاكتفاء الذاتي في مواسم عديدة إلى بلد يعتمد، بصورة متزايدة، على استيراد بذور الحنطة، بل وحتى استيراد المحصول نفسه أحيانًا. هذا التحوّل لم يكن وليد لحظة، بل جاء نتيجة تراكم طويل لعوامل بيئية واقتصادية وتقنية وإدارية تداخلت فيما بينها، وأضعفت منظومة الإنتاج الزراعي، ولا سيما منظومة إنتاج البذور المحلية.

يُعد التغير المناخي وشح المياه العامل الأبرز في هذا التراجع. فقد خسر العراق خلال السنوات الأخيرة جزءًا كبيرًا من مخزونه المائي، ما انعكس بشكل مباشر على القطاع الزراعي. واضطرت وزارة الزراعة، في أكثر من موسم، إلى تقليص الخطة الزراعية بنسب وصلت إلى نحو 50 في المئة، بسبب الانخفاض الحاد في واردات نهري دجلة والفرات، وعدم قدرة الخزين المائي على تلبية احتياجات الري. هذا الواقع أسهم كذلك في تدهور التربة الزراعية، إذ أدى انخفاض مناسيب المياه إلى زيادة نسب الملوحة، خصوصًا في مناطق الوسط والجنوب، الأمر الذي جعل كثيرًا من الأصناف المحلية، التي تأقلمت تاريخيًا مع ظروف بيئية مستقرة نسبيًا، أقل قدرة على الإنتاج في تربة متعبة ومرهقة.

إلى جانب ذلك، بدأت الأصناف المحلية التقليدية تفقد قدرتها التنافسية أمام الأصناف المحسّنة أو المستوردة، سواء من حيث الإنتاجية أو القدرة على التكيف مع التقنيات الزراعية الحديثة. فغالبية هذه الأصناف اعتادت على أنماط الزراعة التقليدية، ولا سيما الري السيحي، في حين أن التوجه الزراعي الحالي يشجع استخدام تقنيات الري بالرش والتنقيط بهدف ترشيد المياه. غير أن هذه التقنيات تتطلب بذورًا عالية الإنتاجية في الدونم الواحد لتغطية كلف منظومات الري المرتفعة، وهو ما لا توفره في كثير من الأحيان الأصناف المحلية القديمة. كما أن انخفاض الغلة الإنتاجية لتلك الأصناف، مقارنة بالبذور العالمية المطوّرة وراثيًا لمقاومة شح الأمطار والأمراض الفطرية، جعلها أقل جاذبية للفلاح الذي يسعى إلى تقليل المخاطر وتعظيم العائد.

ولا يمكن فصل هذا التراجع عن غياب الدعم الحكومي الفاعل، وما رافقه من إشكالات إدارية ومالية أضعفت ثقة المزارع بالسياسات الزراعية المعتمدة. فالتأخير المتكرر في صرف مستحقات الفلاحين عن المحاصيل المسوّقة إلى الدولة يحرمهم من السيولة اللازمة لتهيئة مستلزمات الموسم التالي، ويدفعهم إلى البحث عن بدائل سريعة، حتى وإن كانت أكثر كلفة. كما أن مشكلة عدم توفر البذور المحلية “المصدّقة” وذات الجودة العالية في الوقت المناسب تتكرر في أغلب المواسم، ما يضطر الفلاحين إلى شراء بذور من الأسواق الخارجية أو استخدام بذور منخفضة الجودة، تؤثر سلبًا في الإنتاج وتزيد من حجم الخسائر. ويضاف إلى ذلك سياسات الاستيراد غير المدروسة، التي تفضّل في بعض الأحيان استيراد البذور الأجنبية على حساب دعم المنتج المحلي، لأسباب تجارية أو سياسية، الأمر الذي أدى إلى إغراق السوق بالبذور المستوردة وإضعاف منظومة إنتاج البذور الوطنية.

كما أسهمت الحروب المتتالية، وعدم استقرار الأوضاع الأمنية في عدد من المحافظات الزراعية الرئيسة، مثل نينوى وصلاح الدين، في تسريع وتيرة الهجرة من الريف إلى المدينة. وقد أدى ذلك إلى ترك مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، وانقطاع سلسلة إنتاج البذور المحلية التي تعتمد على خبرات متراكمة ومعرفة ميدانية تنتقل عبر الأجيال، وهي خبرات لا يمكن تعويضها بسهولة أو في فترة زمنية قصيرة.

وفي المحصلة، فإن اعتماد العراق المتزايد على استيراد بذور الحنطة لا يمثل مشكلة فنية أو زراعية فحسب، بل هو مؤشر على خلل أعمق في إدارة الموارد المائية، والسياسات الزراعية، وآليات دعم الفلاح. ومعالجة هذا الخلل تتطلب رؤية وطنية شاملة تعيد الاعتبار للأصناف المحلية من خلال برامج تحسين وراثي مدروسة، وتضمن توفير البذور المصدّقة في الوقت المناسب، وتؤمّن الدعم المالي الحقيقي للفلاح، بما يسهم في استعادة جزء مهم من السيادة الغذائية، وتحقيق أمن غذائي مستدام للمواطن العراقي.

ــــــــــــــــــــــــــ

* مهندس زراعي استشاري