اخر الاخبار

شهد العراق خلال السنوات الأخيرة توسعا ملحوظا في أنماط العمل المرتبطة بالمنصات الرقمية، مثل تطبيقات توصيل الطلبات، النقل الذكي، والخدمات الإلكترونية المختلفة. هذا التحول وفر فرص دخل لآلاف الشباب في ظل البطالة وضعف التوظيف الحكومي، لكنه في المقابل كشف عن مجموعة معقدة من التحديات التي تمس الاستقرار المهني، والحماية الاجتماعية، والكرامة الإنسانية للعاملين في هذا القطاع الجديد.

عمل بلا عقود ولا ضمانات

أبرز التحديات التي تواجه العاملين عبر المنصات الرقمية تتمثل في غياب العقود الرسمية. فالعلاقة بين المنصة ومقدم الخدمة غالبا ما تصنف على أنها "شراكة" أو "تعاون"، ما يعفي الشركات من الالتزامات القانونية المعروفة في قانون العمل العراقي، مثل الضمان الاجتماعي، الإجازات، أو التعويض عند الإصابة. ويترك هذا الوضع آلاف العاملين دون أي مظلة أمان، ويجعلهم عرضة للفصل أو إيقاف الحساب في أي وقت ومن دون إنذار.

دخل متذبذب وساعات عمل طويلة

على الرغم من الصورة الشائعة التي تروج لها بعض التطبيقات حول "العمل المرن"، إلا أن الواقع يكشف عن دخل غير مستقر يعتمد على الطلب اليومي، وساعات ذروة قد تمتد إلى أكثر من 10 أو 12 ساعة يوميا. كما أن العمولات التي تقتطعها المنصات، إضافة إلى تكاليف الوقود، وصيانة المركبات، والإنترنت، تجعل العائد الحقيقي أقل بكثير مما يبدو على الورق، خصوصا في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية.

الخوارزميات بدل المدير

في هذا النوع من العمل، لا يوجد مدير مباشر يمكن التفاهم معه أو تقديم شكوى لديه. فالخوارزميات هي من تحدد عدد الطلبات، ترتيب مقدمي الخدمة، وحتى العقوبات. تقييم سلبي واحد من زبون قد يؤدي إلى تقليل فرص العمل أو إيقاف الحساب نهائيا، من دون آلية اعتراض واضحة. هذا "التحكم الرقمي" يخلق ضغطا نفسيا كبيرا، ويجعل العامل في حالة قلق دائم خوفا من خسارة مصدر رزقه.

مخاطر أمنية وصحية متزايدة

كثيرون يعمل في ظروف محفوفة بالمخاطر كحوادث السير، السرقة، أو الاعتداءات الجسدية، في ظل غياب التأمين الصحي أو التعويض عند الإصابة. وفي حال التعرض لحادث أثناء العمل، غالبا ما يتحمل العامل المتضرر التكاليف كاملة، بينما تتنصل المنصة من المسؤولية بحجة أن العلاقة ليست علاقة عمل تقليدية.

 

غياب التنظيم النقابي والتمثيل القانوني

لا تزال التجربة النقابية في قطاع المنصات الرقمية شبه غائبة في العراق. فالعاملون مشتتون، يعملون بشكل فردي، ولا توجد أطر تنظيمية قوية تمثلهم أو تدافع عن حقوقهم. هذا الغياب يضعف قدرتهم على التفاوض الجماعي، ويجعل صوتهم غير مسموع عند صياغة السياسات العامة أو مناقشة تعديلات القوانين ذات الصلة بسوق العمل.

 

فجوة تشريعية تحتاج إلى معالجة

ولم يصمم قانون العمل العراقي أساسا للتعامل مع اقتصاد المنصات، ما خلق فجوة تشريعية واضحة، فالعاملون في هذا المجال لا هم موظفون يتمتعون بحقوق كاملة، ولا هم أصحاب أعمال مستقلون بحقوق واضحة. هذه الفجوة تستدعي مراجعة جادة للتشريعات، بما يضمن تعريفا قانونيا منصفا لطبيعة العمل على المنصات، ويوفر حدا أدنى من الحماية الاجتماعية.

 

نحو حلول واقعية ومستدامة

معالجة هذه التحديات تتطلب تضافر جهود الحكومة، البرلمان، ومنظمات المجتمع المدني والاتحادات والنقابات العمالية. ولهذا بات من الضروري إدخال تعديلات قانونية تضمن التأمين الصحي، التعويض عن إصابات العمل، وآليات عادلة لفض النزاعات. كما أن دعم مبادرات التنظيم النقابي، وفتح حوار مع شركات المنصات، يمكن أن يسهم في خلق بيئة عمل أكثر إنصافا، توازن بين الابتكار الرقمي وحقوق الإنسان.

وأخيرا أن العمل عبر المنصات الرقمية في العراق لم يعد ظاهرة عابرة، بل أصبح واقعا اقتصاديا واجتماعيا متناميا. وبينما يوفر فرص دخل في زمن الأزمات، فإنه يكشف في الوقت ذاته عن هشاشة كبيرة في منظومة الحماية والعدالة الاجتماعية. إن تجاهل هذه التحديات سيعمق الفجوة بين التطور التكنولوجي وحقوق العاملين، بينما يشكل التصدي للمشكلة خطوة أساسية نحو سوق عمل أكثر عدالة واستدامة.