اخر الاخبار

الهزيمة لا تُفهم بوصفها سقوطاً مفاجئاً أمام قوة الخصوم، بل كتحوّل داخلي بدأ حين فقدنا القدرة على تخيّل مشروع بديل، وانكمش الأفق الذي شكّل يوماً طاقة التغيير، وهو ما يشير إليه التحليل الماركسي بأن الهزيمة ليست حدثاً خارجياً بقدر ما هي انهيار داخلي للقدرة على التخيل السياسي والتنظيمي. كما يشير ماركس: "الوعي لا يغيّر المجتمع إلا إذا تحول إلى فعل منظم"، من خلال أعماله حول العلاقة بين الوعي والممارسة، خاصة في التأملات الاقتصادية والفلسفية (1844)، حيث يشدد على أن الوعي لا يحدث تغييراً فعلياً إلا إذا ارتبط بالفعل والتحرك الاجتماعي المنظم. ما حدث هو تفكك بطيء في البنى الفكرية والتنظيمية التي كانت تحمل وعد التحرر، وانحسار تدريجي للخيال السياسي الذي يمنح المعنى لأي نضال. في غياب هذا الخيال، يتحوّل الوعي النقدي إلى مجرد تمرين أخلاقي يُريح ضمائر أصحابه دون أن ينتج مبادرة أو تضامناً فعلياً.

في لحظة كهذه، يصبح انتصار القوى المحافظة شبه تلقائي، لأنها تتقدم في فراغ لم نحاول سدّه، وتحتل مساحة تخلّينا عنها قبل أن نخوض معركتها. كما يؤكد لينين في الدولة والثورة (1917): "من يملك المبادرة ويعرف كيف يوجّه الحركة الجماهيرية، هو من يتحكم بالنتيجة"، ما يعكس خطورة الفراغ التنظيمي الذي يترك المجال للخصم للسيطرة.

إلقاء اللوم على "الشعبوية"، أو "الفكر السائد"، أو "التدهور الأخلاقي"، ليس سوى استمرار في إعادة إنتاج الفشل. المشكلة ليست في الآخرين، بل في القوى التي تدّعي الوعي والتي تركت المؤسسات تتآكل دون مشروع يعيد تشكيلها على أسس أكثر عدالة. انهيار الصحة والتعليم ليس نتيجة رفض الخصوم لمبادئهما، بل نتيجة لفقدان القدرة على الدفاع عنهما كحقوق اجتماعية تُعبّر عن جوهر الصراع الطبقي، كما بيّن ماركس في رأس المال (1867) أن الهيكل الاقتصادي للمجتمع يحدد البنية الاجتماعية والسياسية، وأي إهمال في الدفاع عن الحقوق الاجتماعية يؤدي إلى هزيمة تاريخية.

الأخطر من ذلك أن أقرب الحلفاء، أولئك الذين يشتركون في الفكرة ذاتها عن العدالة والمساواة، أصبحوا عاجزين عن تحويل نقدهم إلى حركة، مكتفين بالمراقبة أو بتبنّي أحكام السلطة بوصفها قدراً لا يمكن تغييره. هنا، يصبح اقتباس ماركس عن أن "الفلسفة ليست سوى انعكاس للواقع ما لم تتحوّل إلى ممارسة عملية"، كما ورد في ملاحظاته الفلسفية، مناسباً للتأكيد على أن النقد وحده لا يكفي.

ما نحتاجه ليس استعادة خطاب قديم عن الحرية والمساواة، بل إعادة تعريفهما داخل شروط زمن انقلبت فيه بنية الإنتاج، وتحوّلت فيه الأزمات الاجتماعية إلى أدوات لإعادة إنتاج الامتيازات نفسها. لا معنى لأي شعار ما لم يُجذَّر في سياق صراع حقيقي مع القوى التي تستفيد من الوضع القائم. القيم التي تبدو اليوم باهتة ليست بحاجة إلى التمجيد، بل إلى تحليل يُعيد وصلها بتاريخها النضالي، ويكشف كيف تحولت من أدوات للتحرر إلى كلمات بلا مضمون.

حين نفعل ذلك، يصبح ممكناً مواجهة الأسئلة الأكثر إلحاحاً: لماذا تراجعت الرغبة الجماعية في العدالة؟ ولماذا قبلت قطاعات واسعة بالتخلي عن مطالب كانت يوماً غير قابلة للمساومة؟ وما الذي شلّ قدرتنا نحن على بناء مشروع اجتماعي قادر على جذب الناس بدل الاكتفاء بالتحسّر على ما ضاع؟ كما يشير لينين في الدولة والثورة، "المسألة الأساسية ليست الكلام عن الثورة، بل بناء القدرة الجماعية على تحويل الكلام إلى فعل ملموس".

الانطلاق من الهزيمة لا يعني الاستسلام للعجز أو الاكتفاء بالتشكيك في القدرات الذاتية، بل يشكل خطوة أساسية لتجاوز الحياد التحليلي الذي يكتفي بوصف الخراب وانتقاد النتائج السطحية دون تقديم بدائل واقعية قابلة للتطبيق. فالهزيمة، حين تُفهم كظاهرة عميقة الجذور، تكشف عن نقاط ضعف في البنية الفكرية والتنظيمية، وعن فجوات في القدرة على تحويل الوعي النقدي إلى فعل اجتماعي ملموس. الشرط الأول لأي مستقبل مختلف هو إعادة صياغة العلاقة بين الوعي والممارسة، بحيث لا يبقى النقد مجرد موقف سلبي، بل يصبح أداة لفهم وتحليل البنى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي أنتجت الأزمة، بما في ذلك توزيع السلطة والموارد، والهياكل المؤسساتية، والعلاقات الطبقية. ويترتب على ذلك أن يتحول التنظيم والنشاط الجماعي من مجرد استجابة تكتيكية إلى مشروع استراتيجي متكامل، قادر على مواجهة التحديات المستمرة وإعادة بناء الأفق المفقود. إن التحليل هنا لا يعني الانغماس في التأمل الفلسفي المجرد، ولا التبرير السلبي للهزيمة، بل هو عملية تفاعلية تسمح بالربط بين النظرية والتطبيق، بين المعرفة والعمل، لتوليد حلول واقعية مستندة إلى فهم معمق للأسباب الجوهرية للأزمات. بهذا المعنى، يصبح التحليل أداة للتغيير الاجتماعي، وليس مجرد وسيلة للمراقبة أو لتبرير الفشل. فهو يمكّن القوى المستعدة للتغيير من اكتشاف إمكانيات الفعل الجماعي، وصياغة استراتيجيات قابلة للتحقيق، وإعادة توجيه الموارد والجهود بطريقة تعيد إنتاج مشروع سياسي واجتماعي قادر على استعادة المبادرة وإعادة الأمل للمجتمعات المتضررة، وتحويل تجربة الهزيمة إلى نقطة انطلاق للتغيير البنّاء والمستدام.

المواجهة الصريحة للأسباب الجذرية للأزمات، بدلاً من الاكتفاء بالتعامل مع النتائج الظاهرة، تمثل المفتاح لاستعادة الأفق المفقود وإعادة إحياء القدرة على المبادرة والتغيير. فعندما يتحول النقد إلى أداة فاعلة للتخطيط والتنظيم، لا يبقى مجرد ممارسة تأملية أو تقييم سلبي، بل يصبح وسيلة لفهم البنية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي أنتجت الأزمة، وتحليل نقاط الضعف والفرص المتاحة للعمل الجماعي. في هذا السياق، تتحول الهزيمة من نهاية محتومة إلى نقطة انطلاق نحو التغيير الملموس، ويصبح التعلم من الأخطاء ركيزة أساسية لإعادة بناء مشروع مختلف قادر على مواجهة التحديات المستمرة. بهذا المنظور، لا يُنظر إلى الفشل كحاجز نهائي، بل كفرصة لإعادة التفكير في الاستراتيجيات، وإعادة التوازن بين النظرية والتطبيق، ولتصميم خطط عملية وواقعية للتغيير الاجتماعي والسياسي. ويؤكد هذا النهج على ضرورة ربط النظرية بالممارسة، بحيث يصبح التحليل أداة للتوجيه والعمل، مما يمكّن القوى المستعدة للتغيير من صياغة استراتيجيات قادرة على مواجهة التعقيدات الراهنة بوعي ومسؤولية، وتحويل الأزمة إلى تجربة تعلم ولبنة لانطلاق مشروع اجتماعي مستدام وفاعل.