يعد مفهوم الوعي من أكثر المفاهيم التي تناولتها المدارس الفكرية والفلسفية، غير أن الماركسية قدمته بطريقة مغايرة حين ربطته بالبنية الاجتماعية والاقتصادية، فبحسب ماركس ((ليس وعي الناس هو الذي يحدد وجودهم، بل وجودهم الاجتماعي هو الذي يحدد وعيهم))، وهذا يعني أن الوعي لا يتشكل بمعزل عن الظروف المحيطة، بل يتاثر مباشرة بطبيعة النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
وعند النظر إلى الواقع العراقي بعد عام 2003، نجد أن البيئة الجديدة التي تشكلت لم تسمح بولادة وعي انتخابي حر، فقد خضعت العملية الانتخابية لتأثيرات هائلة، من الانقسام الطائفي، إلى المال السياسي والسلاح، إلى شبكات النفوذ، إلى التدخلات الخارجية، وبدل أن نرى وعيا قادرا على التمييز بين البرامج والمشاريع، تشكل وعي مضلل نتج عن خطاب تعبوي يستند إلى الخوف والانتماء الطائفي والقومي لا إلى المصلحة العامة، ولا ننسى قبل 2003 وما يسمى بالحملة الإيمانية وإفراغ الساحة من مفهوم المدنية والوطنية وتكريس الوعي باتجاه واحد ونشأة جيل ما بعد التغيير بوعي زائف.
وفي ظل هذا الواقع يصبح من الصعب القول إن اليسار خسر لأسباب تتعلق بضعفه أو قصور برنامجه، بل إن جزءا كبيرا من المشكلة يرتبط بتزييف وعي الناخب وإحاطته بمنظومة معقدة من الضغوط والإغراءات والعلاقات التي تمنعه من اتخاذ قرار مستقل، فقد أثبتت التجارب أن الناخب كثيرا ما يدفع دفعا إلى خيارات لا تنسجم مع مصالحه الطبقية ولا مع طموحاته الاجتماعية.
إن أزمة اليسار لا يمكن قراءتها بمعزل عن الوعي الانتخابي الذي تشكل في بيئة مضطربة سياسيا واقتصاديا، حيث غابت الشروط التي تسمح ببلورة إرادة حرة للناخب، وفي ظل هذا الواقع، تصبح مسؤولية التغيير مشتركة بين القوى السياسية والجمهور على حد سواء، لأن الوعي لا يفرض من أعلى، بل يبنى من خلال المشاركة الواعية والفعل السياسي المستمر.
ولذا، لا يمكن تحميل أحزاب اليسار وقياداتها وحدها مسؤولية عدم الحصول على الأصوات، بقدر ما ينبغي توجيه اللوم إلى من يكتفي بالوقوف على الهامش، منتقدا دون أن يقدم أي حلول أو يسهم في تغيير الواقع. فالمشاركة الفاعلة هي التي تصنع التحول، لا الانتقاد المجرد.
في الختام أكد لينين "أن الانتخابات في ظل الأنظمة الرأسمالية لا تعبر دائما عن الإرادة الحقيقية للناس، لأنها تدار ضمن موازين قوى تصنعها الطبقات المهيمنة، ولذلك رأى أن الوعي هو الشرط الأساس لأي عملية انتخابية، وأن غيابه يجعل الناخب عرضة للتضليل، مهما بدا الاقتراع حرا، فالانتخابات تتحول من أداة للتغيير إلى وسيلة لإعادة إنتاج القوى المتنفذة عندما يفقد المجتمع وعيه السياسي".