اخر الاخبار

في القسم الأول من هذه الدراسة للباحث آرون بيناناف، والمنشورة في مجلة نيو ليفت ريفيو (اليسار الجديد) -153 و154 لسنة 2025، جرى الحديث عن أزمة الرأسمالية وعن الخلل الذي يسببه اعتماد الربح كمعيارٍ وحيدٍ للكفاءة الاقتصادية، والمصاعب الناجمة عن اعتماد التخطيط المركزي.

نظرية القيمة

انتقد ماركس الطريقة التي تُقيَّم بها السوق الضرورةَ الاجتماعية للعمل، لأن المنتجين لا يتمكنون من معرفة ما إذا كانت سلعهم ذات معنى، وبالتالي مجزية، إلا بعد أن يتم اختبارها في السوق. كما إن عملهم يمكن أن يصبح عديم الفائدة اجتماعيا بسبب الإفراط في الإنتاج، أو التحولات غير المتوقعة في الطلب، أو التغيرات التكنولوجية التي لا يمكن التنبؤ بها بدقة.

ولهذا أشار ماركس، ولو بإيجاز، إلى أن التنظيم الاقتصادي للاشتراكية، الذي يوزع الجهد وفقا لخطة جماعية، سيبقي عمل المنتجين صالحا اجتماعيا حتى لو فشلوا في تبادل منتجاتهم، لأنه يتم وفقا لأولويات متفق عليها، تجعل الخسارة مؤمَّنة جماعيا بدلا من أن تكون فردية.

وفي نقده للرأسمالية، بيّن ماركس أن منطق تعظيم الربح والكفاءة يؤدي إلى استنزاف الموارد الطبيعية، وتشييء الإنسان، وتدهور جودة الإنتاج؛ ولهذا لم يكتفِ بالدعوة إلى استبدال السوق بالتخطيط، بل رأى أن الاشتراكية الحقيقية تتطلب تغيير القيم التي توجه الإنتاج ذاته، لتشمل أبعادا إنسانية وأخلاقية واجتماعية أوسع.

وعليه، يعتقد بيناناف أن نظرية القيمة، التي تسعى إلى تفسير القيمة الاقتصادية من خلال مقياس واحد (سواء كان المنفعة أو وقت العمل) لا يمكنها استيعاب تعقيد نظام تحكمه أولويات متنافسة، مما يستلزم نظرية للقيم تقرّ بأن الحياة الاقتصادية مهيكلة بأهداف متعددة.

وإذ يتفق مع رأي الماركسيين في ضرورة توسيع المشاركة الديمقراطية عند اتخاذ القرارات الاقتصادية، ودمج القيم الأساسية التي تستبعدها الرأسمالية، مثل الرعاية، والصحة، والاستدامة، وجودة العمل، والتماسك الاجتماعي، في صنع القرار الاقتصادي وبناء اقتصاد يعكس بشكل أفضل كامل نطاق التطلعات الإنسانية، فإنه ينبّه إلى أن توسيع المشاركة لا يؤدي تلقائيا إلى إجماع، فتعدد القيم يعني بالضرورة وجود اختلافاتٍ مادية وثقافية وسياسية ذات تأثيرات سلبية، مما يستلزم البحث في كيفية إدارة هذه الصراعات وتنظيمها سياسيا وديمقراطيا، لا تقنيا فقط.

وإذا دأبت الرأسمالية على قمع هذه الصراعات بفرض منطق الكفاءة، فإن على الاشتراكيين ابتكار وسائل سليمة لإدارة التباينات بين القيم المتعددة، بدل افتراض زوالها.

ماركس والاستثمار

يتساءل بيناناف،  لماذا لم يطوّر التقليد الاشتراكي، رغم كل طموحاته، نظرية ديمقراطية للاستثمار قابلة للتطبيق؟ ويجيب بأن الأمر بدأ مع ماركس، الذي وإن أقرّ بضرورة تخصيص جزء من وارد الإنتاج للمستقبل، إلا أنه لم يتطرق إلى كيفية إجراء هذا التخصيص، أو كيفية توجيهه نحو الأهداف الاجتماعية المتطورة.

ولما كان التخطيط المركزي السوفييتي وسيلة لإنهاء الخلافات الاقتصادية والسياسية، والقضاء على الاستغلال، وبناء اقتصاد قادر على تحقيق نطاق أوسع من الأهداف الإنسانية، لا أداة لاختبار الأفكار المختلفة ومناقشة المستقبل، صار الاستثمار قضية تقنية بحتة لتوسيع الإنتاج، بعيدا عن الاهتمام بالطابع الابتكاري والتجريبي والتطلعي للاستثمار الذي يشكل مستقبل الاقتصاد.

ويرى بيناناف أن اعتراف الاشتراكيين بقدرة الاستثمار على أن يكون أداة للتجريب الاجتماعي وخلق بدائل مستقبلية متعددة، كان يمكن أن يقلب ديناميكية الاقتصاد رأسًا على عقب، خاصة حين يُستخدم كوسيلة لتحقيق العدالة الاجتماعية وإدارة الاقتصاد لتلبية أهداف بشرية أوسع.

الحساب الاشتراكي

وبعد أن استعرض بيناناف الحجج التاريخية بين من رأى في الأسعار النقدية ضرورة لتقييم جدوى الإنتاج وللتمييز بين الاستثمارات الرابحة والخاسرة، وبين من وجد في الأسعار تقييما ضعيفا للكفاءة، التي تقوم على المعرفة المحلية المتفرقة لدى المنتجين، انتقد تبني السوفييت لمنطق الكفاءة كمعيار وحيد للعقلانية الاقتصادية، تماما كما يفعل الاقتصاد الرأسمالي، بدل إعادة تعريف الأهداف الاقتصادية المتعددة: البيئية، والاجتماعية، والأخلاقية.

وأشار إلى أنهم لم يؤسسوا لاقتصاد قادر على التكيف والتطور ديناميكيا وفق قيمٍ متعددة ومتغيرة، حتى حين حاولوا اللجوء إلى حلول جزئية مثل الضرائب التصحيحية لتعديل الأسعار وفقا للتكاليف الاجتماعية والبيئية.

وخلص إلى القول إن اقتصاد المستقبل يحتاج إلى مؤسساتٍ تجمع بين الابتكار التكنولوجي وتنسيق الأهداف الاجتماعية المتضاربة بصورة مستمرة، أي نموذج عمليّ يربط القيم المتغيرة بالقدرات التقنية والمؤسساتية ضمن نظام قابل للتطور.

أسئلة سياسية وقيمية

واهتم بيناناف كثيرا بالمفكر النمساوي أوتو نويراث، معتبرا إيّاه من بين القلة التي رأت أن النماذج الاشتراكية التقليدية للتخطيط، التي تسعى إلى تحقيق هدفٍ واحد (مثل تعظيم الإنتاج أو تقليص وقت العمل)، عاجزة عن التعامل مع تعقيد الأهداف المتعارضة في الواقع الاجتماعي؛ لأن التخطيط الاقتصادي — حسب تصوره — ليس عملية تقنية بحتة، بل أسئلة سياسية وقيمية، أي عملية ديمقراطية للتوفيق بين أولويات مختلفة.

ولهذا رأيناه يشدد على أن التخطيط الاشتراكي يجب أن يبدأ بتحديد واضح لما يُقصد بـ “المصلحة الاجتماعية العامة”، أي ما إذا كانت تشمل الحفاظ على الموارد الطبيعية، وصحة الأجيال القادمة، وجودة الحياة، وغيرها، قبل التفكير في أفضل طريقة لاستخدام الموارد والعمالة.

ورغم انتقاده الشديد للرأسمالية التي تحجب المعرفة بأنواع العمل أو البيئة أو المجتمعات من خلال معلومات تقنية بحتة، خالقة شعورا زائفا بالوضوح بشأن المستقبل، أشار إلى أن التخطيط الاشتراكي لا يمكن أن يكون تنبؤيا تماما أو آليا، فاليقين خاضع لمستوى فهم الحاضر والمستقبل، وللقيم المتغيرة وغير المستقرة بسبب تغيّر أولويات البشر.

كما إن المال أداة زائفة للعقلانية، لأنه يوهمنا بأن كل القيم يمكن قياسها بمقياس واحد، مخفيا التعارضات الحقيقية بين الأهداف. ولهذا اقترح نويراث بدلا من ذلك نظاما يسمى “الحساب العيني”، أي التقييم المباشر للموارد والنتائج بوحدات مادية ونوعية، لا مالية، مع الاعتراف بأن اللايقين في الحقائق والقيم لا يمكن تجاوزه إلا بالديمقراطية، الطريقة المشروعة الوحيدة لاختيار المسارات بين البدائل غير القابلة للقياس بمقياس واحد، والقادرة على تمكين الناس فعليا من تحديد مستقبلهم، لا مجرد استشارتهم بعد اتخاذ القرار.

وحسب بيناناف، فإن هدف نويراث تمثّل في جعل التنسيق الاقتصادي انعكاسا للإرادة الجمعية الواعية، لا لقرارات تقنية يفرضها الخبراء أو لمنطق السوق الموحد، بحيث يصبح الاختيار الديمقراطي، في ظل التعدد وعدم اليقين، هو جوهر التخطيط الاشتراكي الحديث.

اقتصاد متعدد المعايير

في القسم الأخير من دراسته، تناول بيناناف إمكانيات عمل الاقتصاد الحديث عندما يُدار وفق أهداف اجتماعية متعددة بدلا من السعي وراء الربح الخاص، معتبرا أن المشكلة الرئيسية في التاريخ الفكري للاشتراكية الكلاسيكية — من الطوباويين في القرن التاسع عشر إلى الاتحاد السوفييتي ومهندسي دولة الرفاه بعد الحرب — تكمن في كيفية تصميم مؤسسات يمكنها صياغة أهداف متعددة ديمقراطيا وتخصيص الموارد وفقا لها.

وقد فشلت الأفكار المبكرة للاقتصاد البسيط في مواجهة التعقيد المتزايد للإنتاج الرأسمالي وتنوع القيم الاجتماعية، مثل الاستقلالية والمساواة والاعتراف.

ويذكر بيناناف أن تنظيم الاقتصاد حول أهداف متعددة يزيد من تعقيد اتخاذ القرار، ويخلق خلافات أخلاقية وسياسية مستمرة، لا يمكن التنبؤ بنتائجها بالكامل. ولذلك، يجب أن تُصمَّم المؤسسات الاقتصادية لتسهيل المداولات والخيارات بدلًا من القضاء على الاختلافات، فالقيم المختلفة، كالعمل الجيد، والسكن للجميع، والزراعة المستدامة، لا يمكن اختزالها أو مقارنتها بمقياس واحد، بل يجب التعامل مع الخيارات عبر ترتيب جزئيٍّ بدلا من السعي لحل أمثل وحيد.

ويطرح بيناناف في دراسته إطارَ عملٍ مؤسسيّا للاقتصاد متعدد المعايير، حيث يُلغى تراكم رأس المال والعمل المأجور، ويصبح الاستثمار موجّها لتلبية الاحتياجات الاجتماعية بدلا من الربح. ويقدّم نموذجا للنقد الرقمي المزدوج، يفصل بين العملات المستخدمة للاستهلاك الشخصي والموارد المخصصة للاستثمار والتشغيل المؤسسي، وذلك لكسر الرابط بين الربح والقرارات الاقتصادية.

كما يُنظَّم العمل عبر جمعياتٍ تقنية وغير ربحية، وجمعيات مدنية وثقافية، تُدعَم بمخصصات مالية وتمكّن المشاركة الديمقراطية، مع التركيز على تلبية أهداف متعددة مثل الاستدامة، وجودة العمل، والديمقراطية الداخلية.

وتُبقي فكرة بيناناف على الأسواق كأداة للتبادل والتكيّف والابتكار، لكن من دون التركيز على الربح كمحرّك أساسي، من أجل الحفاظ على مرونة السوق مع توجيه الاستثمار والقيم الاجتماعية عبر مجالس استثمارية ديمقراطية تعالج الأولويات المتنافسة ضمن الموارد المحدودة، مؤكدا أهمية توفير الحقوق الأساسية والخدمات العامة والدخل الشامل كأساس لتمكين المشاركة الكاملة والحرة في اتخاذ القرارات.

وأخيرا، تعرض الدراسة الفكرةَ التاريخية لتعدد العملات، وكيف أن الرأسمالية الحديثة فرضت عملة موحّدة للربط بين الإنتاج والاستهلاك، بينما الاقتصاد متعدد المعايير يستخدم عملات منفصلة لدعم أهداف اجتماعية متعددة، مع فصل واضح بين الاستهلاك الشخصي والاستثمار المؤسسي.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أَروِن بيناناف مؤرخ اقتصادي ومنظر اجتماعي متخصص في موضوعات العمل، والأتمتة، والتوظيف، وتغيرات الاقتصاد العالمي، بالإضافة إلى البدائل الممكنة للرأسمالية.