رغم أن القليل من كتابات ماركس قد نجح في النهاية في التغلغل في الوعي العام، فإن كثيرين يعرفون الآن، أن نقده للعلاقات الرأسمالية لم يكن موجها إلى استغلال العمال فقط، بل يمتد أيضا إلى تدمير "الطبيعة". ولذلك فإن ماركسيين من أمثال كوهي سايتو (فيلسوف ياباني)، وسيمون شاوب (عالم اجتماع ألماني)، ودونا هارواي (أمريكية، وأستاذة تاريخ الوعي والدراسات النسوية)، يستطيعون، بالاستناد الى ماركس، مهاجمة الكيفية يعمل بها الاقتصاد الرأسمالي لتدمير سبل عيشنا. إنهم يشيرون، على سبيل المثال، إلى الجملة الرائعة التي تثير، من وجهة نظر طوباوية، الى فضيحة حقوق ملكية جزء من البشرية على جزء أكبر بكثير بالإضافة إلى الأرض بأكملها: "من رؤية لتشكيل اجتماعي اقتصادي أسمى، ستبدو الملكية الخاصة للأفراد على وجه الأرض عبثية تماما كالملكية الخاصة لأنسان على انسان آخر. وحتى مجتمعٌ بأكمله، أمة بأكملها، بل كل المجتمعات المعاصرة مجتمعة، ليست مالكة للأرض. إنها مجرد حائزة عليها، ومستفيدة منها، وبوصفها ربّ عائلة صالح، عليه أن يورثها للأجيال اللاحقة وهي بأحسن حال".
لكن كيف يمكن لباحث وناقد أدبي مرموق مثل هاينريش ديترينغ، الذي منح لقب شماس عام ٢٠١٩ وهو عضو في اللجنة المركزية للكنيسة الكاثوليكية في المانيا منذ عام ٢٠١٦، أن يرى ماركس، بهذا الاقتباس، رائدا ومساهما في نقد ايكولوجي جذري للمجتمع؟ كيف يُمكن لناقد يكتب دراسات عن توماس مان ويوهان فولفغانغ غوته وغيرهما من الرموز لأدبية المهمة، أن يتعمق في كتابات ماركس (من الغلاف إلى الغلاف) ويُعجب بـ „اشتراكيته الايكولوجية "؟
الأكثر إنسانية
يفهم ديتيرنغ ماركس من خلال شعر الطبيعة الرومانسي (فاكينرودر، تيك، جوندرود، نوفاليس) ومن قصائده الخاصة في "كتاب الحب" ("يذكرنا بغوته") وفي "كتاب الأغاني" ("مع إشارة صريحة إلى هاينرش هاينه") في ثلاثينيات القرن التاسع عشر. ولكن "استحضار الحنين للغابة والطبيعة" الذي يعترف به ديتيرنغ لا يمنع ماركس، بعد ست سنوات في سلسلة المقالات الشهيرة "مناقشات حول قانون سرقة الأخشاب" (1842)، ادانة أولئك الذين يعتبرون الغابة والأشجار مجرد ممتلكات يمكن استغلالها لصالح الأغنياء فقط. لأن الأشجار تفقد خشبها القديم، الذي يحتاجه الفقراء بشدة للتدفئة في الشتاء، والذي يصفه ماركس بأنه "سلطة صديقة أكثر إنسانية من السلطة البشرية".
وفقا لديتيرينغ، ابتعد ماركس عن "المواضيع الرومانسية في كتاباته المبكرة"، وطوّر "ميلا إلى خطاب بارد". في منتصف أربعينيات القرن التاسع عشر، في "مخطوطات باريس"، حيث لم تكن قوة العمل كسلعة موضوعًا بعد، كتب ماركس: "ينتج العمل عجائب للأغنياء، لكنه ينتج عُريًا للعامل. ينتج جمالًا، ولكنه معيق للعامل. ينتج ذكاء، لكنه ينتج غباء وحمقا للعامل". بالنسبة لديتيرينغ، يعني هذا أن العمل الرأسمالي يبعد البشرية عن الطبيعة: "لم يكن العمل الأصلي هو من قطع الرابطة بين الإنسان والطبيعة. لكن تحوله إلى رأس مال هو ما أدى إلى ذلك".
يشدد ديتيرينغ على تفرد أفكار ماركس. ويجادل بأن ملاحظاته توسّع مفهوم الطبيعة وتقوّض الثنائية المُبسّطة بين الطبيعة والثقافة. لذا، فالإنسان ليس جزءا لا يتجزأ من الطبيعة فقط، بل "كل ما ينتجه، من أول أداة إلى أبسط حجة مجردة وأدق عمل فني، هو جزء لا يتجزأ من علاقة الطبيعة بذاتها". ويرى ديترينغ أن هذا يعني، بقدر تعلق الامر بالرأسمالية: " بتحويلها وسائل العمل والعمال ومنتجات العمل إلى قيم تبادلية، إلى سلع، إلى رأس مال، تمثل هذه الرأسمالية الاضطراب الأيضي القاتل لهذا الجسم. وهي كذلك ليس في آثارها فقط، بل في تركيبها الأساسي".
رومانسية تبسيطية
بقدر ما يدين ديتيرينغ بشدة نظام الاقتصاد الرأسمالي، فإنه يعجز بنفس القدر عن نقد ظروف ما قبل الرأسمالية نقدا وافيا؛ إذ تبدو له أحيانا مثالية ومفرطة ومنسجمة. ربما عاش غوته وشيلر حياةً هانئة في ظل ظروف حياتهما البرجوازية، لكن بالنسبة لغالبية الناس في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، كانت المسألة المحورية هي البقاء على قيد الحياة في ظل ظروف عمل قاسية وتبعية في كثير من الأحيان. ربما أدت هذه الرؤية المثالية الرومانسية إلى دفع ديترينغ إلى التفكير في ماركس باعتباره رائدا لفرضية "غايا" التي طرحها عالم الاجتماع برونو لاتور (1947 – 2022 عالم اجتماع فرنسي): "إن صورة الأسرة المصممة حول الأم الأرض غايا سوف تمر عبر رأس المال كخيط احمر. تبقى الأرض هي الحاضنة الأصلية، ويبدو الإنسان الأصلي ربيبها ".
"لكن ديتيرينغ لا يعتمد على كتاب "رأس المال" لماركس كمصدر لصورته العائلية، بل على "مخطوطات باريس" - وهو أمر لا يمكن لأحد أن يسمح لباحث أدبيٍّ بفعله.
وعلى نحو مماثل، كان من الضروري للغاية توجيه النقد إلى "علم الاجتماع الجديد لمجتمع جديد"، والذي يقتضي الغاء "المفهوم المؤسف للمجتمع"، كما يفترض برونو لاتور. "الأم الأرض" وأطفالها يجلسون في "برلمان الأشياء" مع "المجدد هايدغر" (نسبة الى الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر الذي يعتبر نفسه مجددا للفلسفة)، كما أطلق لاتور على نفسه، لمعاقبة الانسان ــ مع نسيان الفوارق الطبقية ــ على تدميره للطبيعة. وحتى لو كان هناك شك في أن كل شيء في "رأس المال" يدور حول الأرض باعتبارها الأم الطبيعة: يستطيع المؤلف أن يثبت من خلال العديد من الأدلة النصية أن ماركس يرى في العديد من كتاباته اللاحقة "الاقتصاد مدمجا في السياقات الطبيعية بشكل أعمق وأكثر شمولا مما كان عليه في اعتباراته السابقة"، يرى "أنها تعتمد على ذلك بقدر اعتمادها على بقاء النوع البشري".
ديتيرينغ مُلِمٌ برسالة ماركس الشهيرة إلى فيرا زاسوليتش، المكتوبة قبل وفاته بعامين (1883). فيها، يتساءل عما إذا كان " يجب على طريق التحرير اجتياز مراحل المجتمع الرأسمالي"، أو ما إذا كان أسلوب حياة واقتصاد "المجتمع القروي الروسي المكتفي ذاتيا" شكلًا ممكنا لنشوء مجتمع شيوعي، بوسائل أخرى غير استيلاء الطبقة العاملة على سلطة الدولة. تمكن ماركس من تزويد الاشتراكية الروسية بإجابة على هذا السؤال: وهذا يتطلب تحقيق "الملكية المشتركة للأراضي الصالحة للزراعة"، ولكنه يؤكد أيضاً على أن عدم وجود دستور وطني لهذا الشكل من الملكية المشتركة والتهديد الذي تشكله مصالح رأس المال يشكلان مشكلة كبرى. لا يمكن الحديث عن تغيير في التشكيل الاجتماعي إلا عندما نعتبر "الملكية الشيوعية" مرحلة أكثر تطورا. لكن غموض ماركس حول هذه المسألة لا ينبغي أن يقلقنا. فهو يسمح لنا بأن نفكر في ما إذا كانت هناك، في ظل الظروف الاجتماعية الراهنة، "جزر" محتملة من المجتمعيين (حملة المسؤولية الجماعية التعاونية – المترجم) وغير المصابين بالاغتراب تتيح "لمحة" "إرنست بلوخ" (فيلسوف الماني ماركسي شهير- المترجم) عن عالم آخر عادل.
معالجة الاغتراب؟
مع أن الكاثوليكي ديتيرينغ لم يستشهد قط بالكتاب المقدس، إلا أنه أشار مرتين إلى سفر التكوين وسقوط الإنسان نتيجة لـ "قضمة التفاحة": "كان هذا تجاوزا للحدود بين الإنسان والله، وهو ما يمثل، وفقا لماركس، انقطاعا للعلاقة الأولية بين العمال من جهة، وقوة عملهم البدنية، والأرض كمورد الأساسي من جهة أخرى". فهل هذا "الاغتراب" بين الإنسان والطبيعة وبين الإنسان نفسه "قابل للشفاء" في رؤية طوباوية؟
يرى ديترينغ أن "الحل" يكمن في مجتمع شيوعي. في فصل بهذا العنوان، يقتبس الفقرة الشهيرة من "المخطوطات الاقتصادية والفلسفية" لعام ١٨٤٤، والتي - كما يكتب بريشت – تبين أن الشيوعية هي الشيء البسيط الذي يصعب تحقيقه: "الشيوعية كإلغاء إيجابي للملكية الخاصة، كاغتراب ذاتي انساني، وبالتالي كتملّك حقيقي للطبيعة البشرية من قبل البشر ولأجلهم، إنها الحل الحقيقي للصراع بين البشر والطبيعة وبين البشر".
وعلى الرغم من وجهة النظر الرجعية التي يطرحها ديترينغ في بعض الأحيان بشأن العلاقة بين الإنسان والطبيعة، والتي تتجاهل تناقضات الحياة الواقعية، إلا أن كتابه مكتوب، على الأقل، بالطريقة التي يدعي أن ماركس قد كتب بها: " يكتب ماركس بقوة ونعومة، وخيال وخشونة، وشغف وتعاطف، ويكتب في حوار دائم".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عرض لكتاب هاينرش ديترينغ (تمرد الأرض: كارل ماركس والإيكولوجيا) - دار فالشتاين، ٢٠٢٥، ٢٢١ صفحة. نشر في جريدة "نويز دويجلاند" الألمانية في 12 آب 2025، بقلم المؤرخ الألماني كلاوس فيبر المولود عام 1960.