أعاد وزير الخارجية ماركو روبيو الولايات المتحدة إلى سياسة العداء للشيوعية المكارثية خلال عقد الخمسينيات من القرن العشرين، معتمدا نظرية مؤامرة سخيفة. فقد زعمت وزارة الخارجية، في العشرين من تموز الحالي، أن كوبا تشن حملة "تجسس وتأثير وتخريب" ضد الولايات المتحدة منذ "قرابة سبعة عقود"، وهي حملة توغلت في "أعلى مستويات الحكومة الأمريكية". لقد عرض روبيو تقريرا من 100 صفحة، صعّد بواسطته مجدداً من تهديداته لكوبا، وذلك بعد أيام فقط من تقارير وسائل الإعلام الأمريكية عن خطط البنتاغون الاحتياطية لشن هجوم عسكري على الجزيرة. وفي الوقت نفسه، يوفر روبيو ذريعة لتكثيف القمع داخل بلاده.
إرهاب يساري متطرف
جاء نشر التقرير، بعد قمة "مكافحة المناهضين للفاشية"، التي نظمتها وزارة الخارجية الأمريكية في 16 تموز في واشنطن، وحضرها ممثلون عن 60 دولة. ووفقًا للتايمز، كان الهدف من الاجتماع تنسيق التعاون الدولي لمكافحة "الإرهاب السياسي لليسار المتطرف". ويذكر روبيو في أحدث منشوراته: أن "إرهاب اليسار" هو "شكل جديد ومتميز من الماركسية مبني على استياء شامل وعداء جوهري تجاه الولايات المتحدة والغرب ككل". ويزعم أن كوبا قامت بـ "تجنيد وتلقين أيديولوجي وتعبئة تحالف عالمي من النشطاء والمثقفين والجماعات السياسية ووسائل الإعلام لهذه القضية".
ووفقاً لصحيفة واشنطن بوست، أعربت عدة دول حليفة أوروبية عن قلقها من أن تتحول القمة إلى أداةً قمع لمعارضي الحكومة. ولذلك، أرسلت بعض الدول سفراءها أو ممثلين دبلوماسيين آخرين بدلاً من وزراء خارجيتها. وغاب بيان دعم علني واسع النطاق من الدول المشاركة بعد انتهاء المؤتمر.
يبدو أن الهدف من التقرير يتجاوز تبرير الحصار غير الشرعي وخطط لغزو كوبا. فللمرة الأولى، صنّفت وزارة الخارجية الأمريكية منظمات التضامن ومنظمات المعارضة كجزء من شبكة عالمية متأثرة بكوبا تُعرف بـ "الإرهاب اليساري". ويذكر التقرير بالتحديد، أكثر من أربعين مواطنًا ومنظمة أمريكية، من بينهم رؤساء بلديات مثل زهران مامداني ، وعضوات الكونغرس إلهان عمر وماكسين ووترز، بالإضافة إلى منظمات يسارية مثل الاشتراكيين الديمقراطيين الأمريكيين، ونقابة عمال أمازون، وحركة "حياة السود مهمة"، ونشطاء من شبكة "كود بينك" المناهضة للحرب، و"قساوسة من أجل السلام"، و"منتدى الشعب"، والمنظمات المناهضة لوكالة الهجرة والكمارك الأمريكية، والناشطين المؤيدين للقضية الفلسطينية، وغيرها.
عاصمة الشيوعية في القرن 21
ويضيف التقرير: "يمكن ربط العديد من أهم الاضطرابات السياسية في تاريخ الولايات المتحدة الحديث - بدءًا من الاحتجاجات ضد قتل جورج فلويد وصعود الحركة "المناهضة للفاشية" وصولًا إلى اندلاع الحركات المؤيدة للإرهاب في الجامعات الأمريكية، بشكل أو بآخر بالنفوذ الكوبي". كما تفسر وزارة الخارجية الأمريكية الاحتجاجات المناهضة لوكالة الهجرة والكمارك على أنها دليل على "سعي كوبا لزعزعة استقرار السياسة الأمريكية"، كذلك من خلال زيارات تقوم بها منظمات أمريكية وعالمية، وشخصيات مؤثرة، إلى كوبا ، أو أسطول نوسترا أمريكا التضامني.
ويحاول التقرير، المعنون "كوبا: عاصمة شيوعية القرن الحادي والعشرين"، تصوير مشاكل الولايات المتحدة الناجمة عن التمييز العنصري، ووحشية الشرطة، وعدم المساواة الاجتماعية، والحروب، واحتلال فلسطين، والإبادة الجماعية في غزة، وسياسة الهجرة الأمريكية، على أنها نتيجة لمؤامرة كوبية.
الرد الكوبي
اتهم الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل الحكومة الأمريكية لافتعال "ذرائع لتبرير هجمات جديدة وتصعيد للعدوان" و"الترويج لتحالفات يمينية تُذكّر بفاشية هتلر أو عملية "كوندور" المشؤومة، التي كانت عنوانا لحملات قمع في أمريكا اللاتينية، وذلك لمكافحة ما يُفترض أنه "يسار متطرف" عالمي". وأكد أن "الخطر الحقيقي على الإنسانية يكمن في فلسفة الاستغلال التي تُحرك الأعمال الحربية لليمين المتطرف العابر للحدود".
وأصدرت وزارة الخارجية الكوبية بيانًا وصفت فيه التقرير بأنه "منشور دعائي رديء" يهدف إلى "خلق إجماع على عدوان عسكري محتمل". بعد يوم واحد فقط من صدور التقرير، وصلت أول شحنة مساعدات أمريكية إلى كوبا. وهي جزء من حزمة مساعدات بقيمة 100 مليون دولار أعلن عنها روبيو في أيار. تضمنت 700 طرد غذائي و700 حقيبة أدوات تنظيف، سيتم توزيعها في بلديتي ألكيزار وبيخوكال من خلال خدمات منظمات كاثوليكية كوبية.
وعلقت وزارة التجارة الكوبية بأن محتويات الشحنة تتناقض تمامًا مع "العقاب الجماعي" الذي تفرضه واشنطن على الشعب الكوبي، بواسطة الحصار المشدد على الطاقة. لا ترفض كوبا مثل هذه المساعدات لأنها تعود بالنفع على الشعب ولا تُستغل سياسيًا. وتقبلها كـ "بادرة من الشعب الأمريكي"، الذي يمول هذه المساعدات من أموال دافعي الضرائب.