في منتصف آذار الفائت، مهدت محكمة بلجيكية الطريق لمحاكمة المتهمين في قضية اغتيال رئيس الوزراء الكونغولي لومومبا عام 1961. والمتهم هو إتيان دافينيون، البالغ من العمر 93 عامًا، وهو دبلوماسي سابق شغل منصب نائب رئيس المفوضية الأوروبية.
تتهم المحكمة دافينيون بالتورط في اختطاف ونقل لومومبا ووزيريه موريس مبولو وجوزيف أوكيتو، واغتيالهم لاحقًا. والمتهم هو الباقي الوحيد على قيد من بين أحد عشر متهمًا. ولم يمنعه تورطه في هذا الاغتيال السياسي الخطير من مواصلة مسيرته السياسية في بلجيكا بعد عودته من الكونغو. لقد أنكرت الدولة البلجيكية، طيلة عقود، مسؤوليتها عن الجريمة. لكن الوضع يتغير الآن. قد يكون توجيه الاتهام متأخرًا، ولكنه لم يفت الأوان بعد. وهو يبعث برسالة واضحة: اغتيال لومومبا انتهاك خطير لاتفاقيات جنيف، ويجب ان يتعامل معه القضاء باعتباره جريمة حرب.
نضال عنيد
رفعت عائلة لومومبا الدعوى الجنائية قبل 15 عامًا. استمرت الإجراءات 15 عامًا، وشارك فيها محامو المتهم أيضًا. كان من المتوقع أن يستأنفوا القرار، وهو حقٌ لهم. يقتصر الاستئناف على مسائل إجرائية فقط. بعد 65 عامًا من الإفلات من العقاب، يُعد أي تأخير أمرًا محبطًا بلا شك، لكن العائلة والجهات الداعمة لها متفائلون بتجاوز هذه العقبة الأخيرة سريعًا. وفي حال تأييد القرارات السابقة، ستُعقد محاكمة علنية في بروكسل خلال الأشهر الأولى من عام 2027.
نفذت جريمة الاغتيال بعد فترة وجيزة بعد استقلال مستعمرة الكونغو البلجيكية في 30 حزيران 1960، والتي كانت بلجيكا قد ضمّتها واستغلتها بوحشية عام 1908. واغتيل لومومبا، الذي ما يزال يُبجّل كبطل من أجل الحرية في وطنه وعموم أفريقيا والعالم، في 17 كانون الثاني 1961 على يد أتباع خصميه السياسيين مويس تشومبي وجود فرويد مونونغو. وأُذيبت جثته لاحقًا بواسطة مادة حامضية.
لقد تورط في اغتيال باتريس لومومبا سياسيون وعسكريون من الكونغو، وبلجيكا، والولايات المتحدة الأمريكية، وخصوصا وكالة المخابرات المركزية. ولعدة عقود، لم يُحاسب أيٌّ من الجناة، ولا أي دولة - سواء بلجيكا أو الكونغو أو الولايات المتحدة - على جريمة قتل لومومبا الوحشية، وعلى جرائم استعمارية أخرى لا تُحصى. إن توجيه الاتهام إلى دافينيون سابقةٌ استثنائية، فللمرة الأولى، يُحاكم قاتل مناضل من أجل الاستقلال على يد قوة استعمارية. وهذا بحد ذاته حدث تاريخي! لقد ناضلت عائلة لومومبا لعقود من أجل محاسبة الجناة. إنهم يطالبون بالحقيقة، وأن تُعلنها محكمة بلجيكية جهارًا. ويؤكدون دائمًا أن قلقهم يتجاوز الأجيال: فكما يعيش أحفاد لومومبا مع التداعيات المؤلمة لاغتياله، ما تزال دول ومناطق بأكملها تعاني من تبعات العنف والاستغلال الاستعماري. ان المحاسبة القانونية خطوة نحو العدالة. ولهذا تدعم العديد من المنظمات المدافعة عن حقوق الانسان هذه الدعوة.
العدالة في جميع الضحايا
مع ذلك، لن تقتصر المحاكمة على جريمة اغتيال باتريس لومومبا فقط ، بل امتدت لتشمل اغتيال رفقيه موريس مبولو وجوزيف أوكيتو. كان موريس مبولو، وزير الشباب والرياضة، وجوزيف أوكيتو، نائب رئيس مجلس الشيوخ، شخصيتين سياسيتين بارزتين في الكونغو المستقلة حديثا. وكانا من المقربين للومومبا، واغتيلا معه في منطقة كاتانغا الانفصالية. وبتوسيع نطاق الإجراءات لتشمل جريمة اغتيالهما، تجاوزت محكمة بروكسل، بشكلٍ مفاجئ، طلبات مكتب المدعي العام الاتحادي. وهذا مؤشر إيجابي.
ملاحقة جرائم القتلة
تمثل القضية بداية المحاسبة القانونية للاستعمار الأوروبي. ينطبق هذا على بلجيكا، وكذلك على بلدان استعمارية أخرى. لم تواجه أي قوة استعمارية أوروبية تاريخها الوحشي بشكل حقيقي حتى الآن. بل على العكس، ما زالت تجني الأرباح من استغلال مستعمراتها السابقة. كثير من الجناة المباشرين قد فارقوا الحياة، لذا من غير المرجح أن تطلق هذه المحاكمة سلسلة من الملاحقات القضائية. مع ذلك، تُعدّ محاكمة قتلة لومومبا بدايةً مواجهة جرائم الاستعمار. وتعد هذه القضية مؤشرا جديدا على عدم تقادم جرائم القتل السياسي، في قبل البلدان الاستعمارية السابقة، في بلدان أنظمة الدكتاتورية والاستبداد في جميع انحاء العالم، ومنها العراق، الذي قدم شعبه في الـ 23 عاما الأخيرة قافلة جديدة طويلة من شهداء الرأي والحرية، ولعل ملف شهداء انتفاضة تشرين 2019، وما سبقه وما تلاه من ملفات ستفتح يوما أمام قضاء عادل.