شهدت بنغلادش الخميس الفائت، انتخابات برلمانية، وأعلنت لجنة الانتخابات في بنغلادش، الجمعة فوز الحزب القومي بأغلبية تزيد عن ثلثي مقاعد البرلمان.
وصرح أمين اللجنة أختر أحمد بأن أرقام اللجنة تشير إلى أن التحالف، الذي يقوده الحزب القومي حصل على 212 مقعدا مقابل 77 مقعدا لتحالف الجماعة الإسلامية.
وبلغت نسبة المشاركة 59 في المائة ، وأيد 60 في المائة من الناخبين إجراء استفتاء على ميثاق ديموقراطي.
وتعتبر هذه الانتخابات الأولى التي تشهدها البلاد منذ الانتفاضة الشعبية في عام 2024 التي أسقطت رئيسة الوزراء الشيخة حسينة. وشكك الإسلاميون في نزاهة النتائج، ما ينذر بفصل جديد من التوترات الداخلية التي قد تنسف العملية السياسية في البلاد.
تقويض نظام المحاصصة والفساد
بادرت الحركة الطلابية إلى اشعال حركة احتجاجية تحولت إلى انتفاضة شعبية طالبت بإلغاء نظام الحصص في الوظائف العامة، ومنح القمع الواسع الذي لجأت اليه السلطة زخما سريعا شارك فيه الملايين. قدم المنتفضون تضحيات كبيرة جراء عمليات القتل والاخطاف والاعتقال، إلى أن نجحت الحركة في إزاحة رئيسة الوزراء الشيخة حسينة، التي فرّت إلى الهند في 4 آب 2024. ووفقًا لتقرير صادر عن مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان في شباط 2025، تم تصفية قرابة 1400 ناشط، معظمهم من الشبيبة والطلبة.
شُكّلت حكومة انتقالية، مؤلفة في معظمها من تكنوقراط بقيادة محمد يونس، بمهمة إعادة بناء المؤسسات الديمقراطية، وإصلاح الدستور والقضاء والنظام الانتخابي، وتنظيم انتخابات حرة ونزيهة بعد سنوات من الحكم الاستبدادي. وبعد مرور أكثر من ثمانية عشر شهرًا، شكلت الانتخابات مفترق طرق سياسي. وقد أُثيرت تساؤلات حول شفافية اختيار المرشحين من قبل الأحزاب الرئيسية، وبرزت انتقادات بشأن نقص تمثيل المرأة في أكبر تحالفين سياسيين، مما يُشير إلى تراجع في هذا التوجه. وفي الوقت نفسه، تتزايد المخاوف بشأن صعود قوى التطرف والتعصب التي تُهدد طبيعة الدولة العلمانية التي تأسست عام 1971 .
فوضى سياسية وتمثيل محدود
شهد المشهد السياسي في بنغلاديش تشرذماً شديداً في أعقاب الانتفاضة، التي يطلق عليها العديد من المحللين ثورة تموز، شاركت عدة أحزاب إصلاحية جديدة في الانتخابات، وتشكلت تحالفات وتفككت أخرى . واستبعد حزب رابطة عوامي من الحياة السياسية، في حين وُجهت لرئيسة الوزراء السابقة، الشيخة حسينة، تهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية غيابياً، تتعلق بالقمع العنيف للاحتجاجات الطلابية. ورغم الحظر، لا يزال العديد من أعضاء رابطة عوامي ناشطين سياسياً في المنفى، وخاصة في الهند، حيث يُقال إنهم يستعدون للعودة إلى الساحة السياسية من هناك.
الإسلاميون والقوميون يملأون الفراغ
وقد ملأ الفراغ الذي خلفه حزب رابطة عوامي كل من الحزب القومي البنغلاديشي وجماعة الدعوة الإسلامية، وكلاهما كان مهمشاً في ظل النظام السابق. برزت الجماعة الإسلامية، بقيادة رئيسها المنتخب حديثًا، طارق رحمن، كقوة مهيمنة، ولكنها ستشارك في الحكومة المقبلة، على الرغم من تاريخها الحافل بالاستقطاب والإخفاقات السابقة. وقد حظيت الجماعة بدعم إضافي بعد وفاة زعيمتها السابقة ورئيسة الوزراء السابقة، بيغوم خالدة ضياء، التي سُجنت ووُضعت قيد الإقامة الجبرية من قبل رئيسة الوزراء السابقة حسينة.
نجاح بطعم الهزيمة
كانت الجماعة الإسلامية قوة سياسية هامشية، وعارضت تاريخيًا استقلال بنغلاديش عن باكستان عام ١٩٧١.
واعتبر حزب الجماعة الاسلامية حصوله على 77 مقعد فقط هزيمة، لان الحزب كان يطمح للأكثر، وقال زعيم الحزب : "في أي مسيرة ديمقراطية حقيقية، لا يكمن الاختبار الحقيقي للقيادة في كيفية خوض الحملات الانتخابية فحسب، بل في كيفية الاستجابة لقرار الشعب". مضيفا "نحن نقر بالنتيجة النهائية، ونحترم سيادة القانون".
وأكد شفيق الرحمن على المكاسب الكبيرة التي حققها حزبه الإسلامي مقارنةً بالانتخابات السابقة، بعد سنوات من التهميش، لقد ضاعف الحزب تمثيله أربع مرات، وأصبح من أحزاب المعارضة البرلمانية الرئيسة.
تجلّت الطاقة السياسية لـ "ثورة تموز" في تشكيل أحزاب جديدة، أبرزها حزب المواطنين الوطني. يدعو هذا الحزب إلى إقامة "جمهورية ثانية" وإجراء تعديل شامل على الدستور، الذي يعتبره استبداديًا بنيويًا. إلا أن محدودية تنظيمه الشعبي، وضعف نتائج الانتخابات، ومزاعم الفساد، وافتقار قيادته للخبرة الحكومية، تحدّ من شعبيته على المستوى الوطني.
ان ما يحدث في بنغلادش يأتي استمرارا لاحتواء القوى الرجعية لنتائج الانتفاضات الجماهيرية، التي حدثت في العديد من البلدان خلال الـ 15 عاما الاخيرة، ولعل التجربة المصرية ووصول جماعة الاخوان إلى السلطة، ولو لعام خير تجسيد بما يحدث.