انتهى العمل الخميس الفائت بمعاهدة "ستارت الجديدة" للحد من الأسلحة النووية. وبعد قرابة 60 عاماً، تلوح في الأفق مؤشرات قوية على سباق تسلح جديد غير محدود.
خلال السنوات الخمس والعشرين الماضية، انسحبت الولايات المتحدة من جميع اتفاقيات نزع السلاح والحد من التسلح التي أبرمتها مع الاتحاد السوفيتي وروسيا. والآن ينتهي العمل بآخرها، وهي اتفاقية "ستارت الجديدة" لعام 2010. وبهذا تنتهي حقبة دامت قرابة ستين عامًا في العلاقات بين القوتين النوويتين العظميين، وهي حقبة كان من المفترض خلالها الحد من خطر نشوب حرب عالمية عن طريق خفض الأسلحة النووية وأنظمة إيصالها. وفي ضوء هذه النقطة المحورية، قام علماء نوويون أمريكيون في 27 كانون الثاني بضبط "ساعة يوم القيامة" الرمزية، التي ينشرونها منذ عام 1947، على 85 ثانية قبل منتصف الليل، أي ان حافة الكارثة أصبحت قريبة بشكل لا يصدق.
توازن استراتيجي
في منتصف ستينيات القرن العشرين، حقق الاتحاد السوفيتي توازناً استراتيجياً مع الولايات المتحدة. وبهذا مهد هذا الطريق لمفاوضات الحد من الأسلحة الاستراتيجية (سالت) التي بدأت عام ١٩٦٩، وأسفرت عن سلسلة من الاتفاقيات، تُوّجت في نهاية المطاف بمعاهدة ستارت الجديدة. ووفقاً لصحيفة نيويورك تايمز الصادرة في ٣٠ كانون الأول ١٩٨٦، كان ما يزال هناك ٧٠٤٠٠ رأس نووي على سطح الأرض؛ أما اليوم، فيبلغ عددها حوالي ١٢٥٠٠ رأس. لم يُجدد دونالد ترامب معاهدة ستارت الجديدة خلال ولايته الأولى كرئيس للولايات المتحدة، لكن جو بايدن جددها فور توليه منصبه عام ٢٠٢١. حددت المعاهدة ترسانات كلا الجانبين بـ ١٥٥٠ رأساً نووياً استراتيجياً، وألزمت بتبادل البيانات بانتظام، كما سمحت بإجراء عمليات تفتيش ميدانية، تشترط إشعارا قصيرا للطرف المعني. مع ذلك، في عام 2019، انسحب ترامب من معاهدة الصواريخ النووية متوسطة المدى الهامة المخصصة لخفض الصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى، وفي عام 2020 من معاهدة السماوات المفتوحة لعام 1992، التي كانت تسمح برحلات المراقبة الجوية فوق أراضي الدول الموقعة. ومنذ ذلك الوقت، مُنع مفتشو معاهدة ستارت الجديدة الروس من دخول الولايات المتحدة، بدايةً بسبب وباء كورونا، ولاحقًا بسبب الغزو الروسي لأوكرانيا. وفي شباط 2023، أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين: "روسيا تُعلّق مشاركتها في معاهدة ستارت الجديدة".
مقترح تمديد
في أيلول 2025، اقترح بوتين تمديد المعاهدة لمدة عام. ورغم أن ترامب وصفها بأنها "فكرة جيدة"، إلا أنه لم يفعل شيئًا. بل على العكس، فهو يخطط لمشروع "القبة الذهبية" (في غرينلاند ايضا)، وهو نظام دفاع صاروخي يهدف إلى حماية أراضيه من أي ضرر، وبالتالي السماح له بشن ضربة استباقية دون عقاب. ما عدا ذلك، نظر ترامب علنًا في استئناف تجارب الأسلحة النووية. ووفقًا لصحيفة نيويورك تايمز، في عام 2014، أزالت الولايات المتحدة آخر الرؤوس الحربية المتعددة من صواريخها الاستراتيجية بموجب معاهدة ستارت الجديدة. وأضافت الصحيفة: "بدون المعاهدة، قد تعود الصواريخ ذات الرؤوس الحربية المتعددة إلى الظهور". وعندما سُئل ترامب عن انتهاء صلاحية معاهدة ستارت الجديدة في 7 كانون الثاني، قال لصحيفة نيويورك تايمز: "عندما تنتهي صلاحيتها، تنتهي. سنتوصل إلى اتفاق أفضل".
أكد المتحدث باسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ديمتري بيسكوف، يوم الثلاثاء الفائت، أن مبادرة بوتين لتمديد الاتفاقية لمدة عام واحد "ما تزال مطروحة". وأضاف أن انتهاء الاتفاقية "سيضر بشدة بالأمن العالمي". وصرح البيت الأبيض بأن ترامب "سيقرر مسار الحد من التسلح النووي مستقبلاً وفقاً لجدوله توقيتاته".
وفي الأربعاء الفائت، ناشد البابا ليو الرابع عشر الدولتين عدم السماح بانتهاء صلاحية المعاهدة "دون ضمان اتفاق متابعة ملموس وفعّال". وأضاف، يتطلب الوضع الراهن "بذل كل ما في وسعنا لمنع سباق تسلح جديد يهدد السلام بين الأمم". ولم تصدر أي تصريحات مماثلة من حكومات حلفاء الولايات المتحدة الغربيين.