شهدت بلجيكا ايام 23 - 26 تشرين الثاني، احتجاجات وإضرابا عاما ناجحا ضد إجراءات التقشف التي فرضتها حكومة اليمين. ووصفت وسائل الإعلام الإضراب بأنه الأكبر في بلجيكا في القرن الحادي والعشرين.
وأدى الإضراب إلى بقاء مئات السفن تنتظر التفريغ في الموانئ البلجيكية. وبقيت المناطق الصناعية في أنحاء كثيرة من البلاد مغلقة. والمطارات ومحطات القطارات فارغة. والصالات الرياضية والمتاجر الكبرى والمدارس والمستشفيات مغلقة. وتراكمت القمامة في الساحات والشوارع وتعطل عمل البريد. وشاركت في الاضراب حتى المنظمات غير الحكومية العالمية في حي مؤسسات الاتحاد الأوروبي في العاصمة بروكسل.
دفاعا عن دولة الرفاه
إنها موجهة ضد حكومة "أريزونا" البلجيكية، التي سُميت تيمنًا بعلم ولاية أريزونا الأمريكية ذي الألوان الأربعة، والمكونة من سبعة أحزاب: ليبرالية محافظة، وديمقراطية اجتماعية، وديمقراطية مسيحية. منذ توليها السلطة قبل عام، دأبت الحكومة على محاولة إضعاف نموذج دولة الرفاه البلجيكي الذي ما يزال يحتفظ بعناصر قوة. تتحدث النقابات عن أكبر انتكاسة لحقوق العمال منذ انتزاع تنازلات كبيرة من رأس المال عام ١٩٤٦ كجزء من الميثاق الاجتماعي بعد الحرب العالمية الثانية.
في سياق التحول نحو اليمين في أوروبا، فازت الأحزاب اليمينية بأغلبية في منطقتي فلاندرز ووالونيا في الانتخابات العامة 2024. أكبر الأحزاب في التحالف الحاكم هي "التحالف الفلمنكي الجديد" الشعبوي اليميني وحزب "الحركة الاصلاحية" وهو حزب ليبرالي جديد. واتفقت أحزاب التحالف السبعة على ابعاد الحزب الفلمنكي اليميني المتطرف، وحزب "فلامس بيلانغ" اليميني المتطرف الصاعد، عن السلطة، وشكلت ائتلافات على المستويين الإقليمي والفيدرالي.
وتماشيا مع مطالب المفوضية الأوروبية بزيادة "القدرة التنافسية" وخفض عجز الموازنة، اقترحت الحكومة البلجيكية إصلاحات ليبرالية جديدة شاملة لقانون العمل والمعاشات التقاعدية والمعونات المخصصة للعاطلين عن العمل. شملت هذه الإصلاحات رفع سن التقاعد إلى 67 عامًا وإلغاء ضوابط إيقاع سوق العمل. بموازاة إجراءات تقشف بلغت قيمتها قرابة عشرة مليارات يورو.
تصعيد تدريجي
خلال أيام الإضرابات الثلاثة، نجحت النقابات في عرقلة بعض أجندة الحكومة، وإثبات تمتع النقابات العمالية بنفوذ كبير. وقد صعّدت النقابات من تحركاتها تدريجيًا منذ بداية العام؛ ففي كانون الثاني، أضرب 30 ألف معلم؛ وفي شباط، شارك 100 ألف في تظاهرة كبرى في بروكسل؛ وفي آذار، نظم أول إضراب عام، تلاه العديد من التحركات في مناطق البلاد الثلاث، وقطاعات الاقتصاد المختلفة؛ وفي تشرين الأول، نظمت تظاهرة كبرى أخرى شارك فيها 140 ألف، وهي الأكبر في بلجيكا في القرن الحادي والعشرين.
وبلغت التعبئة ذروتها هذا الأسبوع، من خلال إضراب النقابات العمالية الرئيسية الثلاث - الاشتراكية والمسيحية والليبرالية، أعقبه إضراب قطاع النقل وإضراب القطاع العام، وأخيرًا، توج بالأضراب العام في 26 تشرين الثاني.
مشاركة حزب العمل البلجيكي
وشارك حزب العمل البلجيكي، في 700 موقع اعتصام، وقدم رسالة واضحة: "استمعوا إلى العمال، استمعوا إلى رسالة من يُسيّرون عجلة الحياة في البلاد يوميًا: ابتعدوا عن معاشاتنا التقاعدية، وابتعدوا عن فهرسة أجورنا أو مكافآت وجبات العمل الليلية".
واكد رئيس حزب العمال بوضوح خلال مشاركته في اعتصامٍ بمسقط رأسه لييج: "أود أن أبعث برسالة أمل للجميع: لم يُحسم أمرٌ بعد. لقد أُجِّلَت بالفعل "عقوبة المعاش التقاعدي" لمدة عام بفضل الضغط الشعبي. وهذا يُثبت أن الالتزام يُؤتي ثماره. لن نستسلم. بإمكاننا إيقاف هذه الحكومة".
وجاء في تقرير نشر على موقع الحزب تناول الاحتجاجات والاضراب: "استجابت الطبقة العاملة لدعوة الجبهة الموحدة للنقابات العمالية، ونظمت احتجاجات حاشدة ضد خطط الإصلاح التقشفية التي وضعتها الحكومة. وخلال اربعة ايام شهدت العاصمة بروكسل وفي كل مكان آخر في البلاد، حضور وقوة الطبقة العاملة الملموسة اليوم. وفي 26 تشرين الثاني، خرج أولئك الذين يُحافظون على سير البلاد ويساهمون في ازدهارها بأعداد غفيرة، كانت ذروة أربعة أيام متتالية من النضال والإضرابات التي هزت البلاد. رداً على التدمير الاجتماعي الذي مارسته الحكومة، كانت الرسالة في كل موقع إضراب واضحة: أوقفوا سرقة معاشاتنا التقاعدية. لا تتدخلوا في تحديد قيمة الأجور. كفوا عن استنزاف أموالنا بواسطة الضرائب. استحصلوا الاموال من مصادره المستحقة: من فاحشي الثراء ومن المساعدات المخصصة للشركات الكبرى. ان المضربين ليسوا سوى جزء من كثيرين يرفضون سياسات الحكومة. وهذا السخط المتزايد يزيد الضغط على الحكومة. مهما استمرت في الإعلان عن إجراءات، فإنها تُجبر أيضاً على التراجع. وشدد حزب العمل البلجيكي على "معًا نستطيع إجبارهم على التراجع".