ما زال الجدل بشأن المحكمة الاتحادية محتدما في مجلس النواب، الذي اجل جلسته من اول امس الثلاثاء الى هذا اليوم الخميس، لاستئناف مساعيه إثر فشل الكتل البرلمانية في الوصول الى توافق بشأن مشروع قانون المحكمة الجديد، الذي تم التصويت على العديد من مواده وبقيت ثلاث خلافية . 

وفي الاثناء وبعد تعسر التوافق، ادرج مجلس النواب عَلى جدول عمله تعديل قانون المحكمة رقم ٣٠ لسنة ٢٠٠٥ النافذ، بما يتيح استكمال تركيبة المحكمة واطلاق عملها المعطل الان بسبب النقص في عدد القضاة المطلوب .

ومعروف ان هناك بشأن قانون المحكمة الاتحادية خلافا وجدلا قانونيين وسياسيين متواصلين منذ سنوات، بالنظر الى ان قانونها يعد ركنا أساسيا من اركان القضاء العراقي وفي البناء الدستوري للدولة ، وان قراراتها القطعية الملزمة لها تاثيرها الكبير على مجمل مناحي الحياة، وذات صلة مباشرة بالمواطنين ويفترض ان تكون ضامنة لحقوق مختلف أطياف الشعب العراقي واحترام التنوع والتعددية فيه. 

صحيح ان انجاز قانون المحكمة الاتحادية امر ضروري لقيامها بمهامها الدستورية، ولكي تصادق على نتائج الانتخابات وتنظر في الشكاوي والطعون المقدمة اليها. لكن هذا يتوجب الا يجري في ظروف وأوضاع غير مناسبة، وفي اجواء خلافات وانقسامات ظلت سببا في تأجيل إقرار القانون حتى يومنا هذا. كما يتوجب الا يمس روحية مواد الدستور، التي تشدد على البعد المدني والبناء الديمقراطي للدولة العراقية، وان لا يكون مدعاة الى المزيد من الانقسام والتشظي والتمييز في المجتمع العراقي . 

ان على مجلس النواب والكتل السياسية الممثلة فيه الا ينطلقوا من مصالحهم الضيقة الراهنة، وعلى حساب مصلحة عموم بنات وأبناء العراق، والا يُخضعوا هذا القانون الهام والاساسي في الدولة الى مساومات وصفقات قد لا تدوم طويلا ، فيما تولد قانونا إشكاليا أعرج يخالف تطلعات غالبية العراقيين الى عدم اقحام اية عناوين، مهما كانت مسمياتها، في جسم المؤسسة القضائية التي يتوجب الحفاظ على استقلاليتها، وابقائها بعيدة عن المحاصصات والصفقات على اختلاف أنواعها. كذلك الحفاظ على مبدأ الفصل بين السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية، وعدم تسييس المؤسسات الدينية وتجنب زجها في إشكاليات السياسة ودهاليزها ومساوماتها . 

ان مجلس النواب مطالب بالا يقدم على تمرير مثل هذا التشريع الاشكالي، وسيتحمل النواب مسؤولية تاريخية ان هم اصروا على المضي في ذلك. ولابد انهم رأوا وسمعوا هذا الرفض الواسع لتمرير مشروع القانون بصيغته المعروضة الان في المجلس، والأخطر انه تم ربط ذلك بقضايا خلافية أخرى مثل الموازنة وغيرها. بينما ينبغي عدم نسيان ان لكل قانون خصوصيته، ولا يجوز ادخال “الحزم التشريعية” باي حال، فالخاسر سيكون القضاء واستقلاليته، والمواطن الذي سيدفع الثمن اليوم وغدا، والدولة وبناؤها المدني والديمقراطي. 

نؤكد من جديد أهمية تأجيل مشروع هذا القانون، نظرا لما سيولده الاصرار على تمريره من إشكاليات وانقسامات، هي آخر ما يحتاجه شعبنا اليوم ، وستضاف الى المتراكم من المآسي والكوارث التي سببتها الكتل السياسية المتنفذة ذاتها، التي تحكمت بالقرار العراقي منذ ٢٠٠٥، وتريد اليوم “تعظيم” رصيدها من الفشل والأداء السيء وتبديد المال العام، وتقزيم سيادة واستقلال بلدنا وقراره الوطني المستقل.

لقد اصبح الطريق واضحا امام مجلس النواب، وهو يتمثل في التصويت على التعديل المرسل من رئاسة الجمهورية والذي يتيح استكمال قوام المحكمة الاتحادية وعودتها الى اعمالها ومهامها الدستورية.  

وفي رأينا ان على القوى والأحزاب والمنظمات والشخصيات الحريصة والمتطلعة الى بناء دولة المواطنة والقانون والمؤسسات ، الدولة المدنية الديمقراطية ، ان تواصل حراكها المؤثر وتسعى الى بناء رأي عام ضاغط، لضمان التقيد بنص وروح الدستور وشلّ أيدي قوى منظومة المحاصصة والفساد والطائفية السياسية، ومنعها من الحاق مزيد من الأذى بشعبنا ووطننا، ودحر مشاريعها وخططها الأنانية والمفرقة للصفوف.