من الواضح في ضوء الرفض الشعبي المدوي  لمنظومة المحاصصة والفساد الحاكمة، والذي عبرت عنه انتفاضة تشرين الباسلة وكواكب شهدائها  وفيض دماء المنتفضين الزكية  التي سالت تحت شعار “نريد- وطن” مطالبة بالتغيير في منظومة الحكم بشكل سلمي ودستوري عبر انتخابات مبكرة.. أن الانتخابات القادمة يجب ان تختلف عن سابقاتها، وأن تعكس على أفضل وجه الإرادة الشعبية الحرة، وتأتي بممثليها الحقيقيين الصادقين، الملتزمين بإحداث التغييرات والإصلاحات العميقة، الكفيلة بإخراج البلاد من دوامة الأزمات الملازمة لنهج المحاصصة المقيت.

 ولم تعد اللوحة السياسية بتحالفاتها وإصطفافاتها السياسية القائمة، قابلة للاستمرار بعد أن هزت انتفاضة تشرين أركانها، وشددت عزلتها عن أوسع القطاعات الشعبية. كما أن قوى الانتفاضة وتجمعات المنتفضين، لا سيما الشبابية، شرعت بعملية تنظيم نفسها في كيانات وأحزاب سياسية، وعقد تحالفات من أجل المشاركة في الانتخابات. وهو ما يعد تطورا إيجابيا من ثمار الانتفاضة، وإن كان لابد من بعض الوقت لاستكمال متطلبات المشاركة في الانتخابات.

ومع قرب انتهاء تسجيل التحالفات والكيانات الانتخابية وتقديم المرشحين، الذي أعلنته المفوضية العليا للانتخابات وهي تؤكد  حتى الان ان لا تغيير فيه، يثار العديد من التساؤلات المشروعة عن الانتخابات القادمة وإمكانية تحويلها الى مدخل للتغيير المنشود، وعن نوعية التحالفات المطلوبة والاصطفاف الشعبي والسياسي الداعم لأي توجه جاد على هذا الطريق، الذي ينطوي على الكثير من الصعوبات والعوائق، خاصة من القوى الماسكة بالقرار منذ ٢٠٠٥، والتي تعمل ليل نهار على كبح أي حراك يضعف مواقعها، او يتسبب في هزيمتها واخراجها من المعادلة السياسية الراهنة،  التي تتحكم بها قوى المال والسلاح والنفوذ. 

إن المدخل الى تفكيك  عناصر الأزمة الخانقة التي تحاصر بلدنا وشعبنا، وفِي مقدمتها المنظومة السياسية المتنفذة،  لابد ان يكون مدخلا سليما واضحا  في ادواته ومنهجه وبرنامجه وشخوصه، وفِي نوعية الاصطفافات المستحقة، وان يشكل أي توجه جاد هنا قطيعة مع المنهج والآليات التي تحكمت في البلاد منذ ٢٠٠٥ حتى الان، ولَم تقدم لبلدنا الا الخراب والدمار والتخلف على مختلف الصعد. 

وهناك من دون شك معوقات عديدة تقف في وجه قوى التغيير الجادة، وسعيها الى توظيف الانتخابات القادمة في إحداث نقلة باتت مطلوبة وملحة في المشهد السياسي، وفِي مقدمة وسائل الإعاقة فرض القوى المتنفذة قانون انتخابات غير عادل ولا منصف. 

واذ تقترب الانتخابات ويشتد التنافس ويبدأ الضرب تحت الحزام، تسعى قوى متعددة ولدوافع متباينة الى  رفع شعار التغيير، الذي نادت به جماهير واسعة فضلا عن المنتفضين والحراك التشريني، في مسعى منها لمحاكاة هذه الرغبات والتطلعات. ومع ان المراجعة في السياسة امر ممكن، الا انه  وفي جميع الأحوال تبقى الممارسة، لا الشعارات والتصريحات، هي المحك والمعيار، وذلك ليس فقط قبل الانتخابات وخلال الحملة الانتخابية، بل وبعدها ايضا. وهذا هو الأساس للحكم على جدية ما يرفع من شعارات في سوق التنافس الانتخابي. 

وبالنسبة لحزبنا والقوى المدنية والديمقراطية يبقى تغيير الحال والواقع مهمة نضالية، سعينا  وسنواصل السعي لانجازها. فالتغيير هدف كبير وسامٍ، وهو الطريق لإنقاذ بلدنا من الهاوية قبل ان يسقط كليا فيها. وسيبقى مطلوبا لتحقيق ذلك بناء  أوسع اصطفاف شعبي وسياسي وطني، قادر على اسقاط منظومة المحاصصة والفساد، أيا كان شكل تجليها وتمظهرها،  وفرض إرادة الشعب ببناء دولة المواطنة، الدولة المدنية الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وتحقيق تقدم الشعب ورفاهه، وسيادة الوطن وقراره الوطني المستقل.