الازمة السياسية الراهنة التي تعصف ببلدنا وتلقي بثقلها على كاهل غالبية العراقيين وتزيد من معاناتهم، هي احدى تجليات منظومة المحاصصة والفساد المأزومة، وفشل المنهج المحاصصاتي – المكوناتي في الحكم وإدارة شؤون البلاد. 

وقد كنا في ظل حكم الأقلية المرفهة ومنهج المحاصصة الذي جُرّب طيلة ١٩ عاما، شهود عيان على ما جرى ويجري من مصادرة هيبة الدولة، وإضعاف قوة القانون، ومن تزايد التجاوز على مؤسسات الدولة، وتداخل صلاحيات السلطات الثلاث والتدخل الفظ في شؤونها، والقضم المتزايد للحريات العامة والخاصة، وتغوّل السلاح المنفلت وسطوة المافيات المنظمة وتجار المخدرات، وتفاقم “ الدكات العشائرية” وحلول “قيم” متخلفة مدججة بالسلاح محل سلطة القانون، الى جانب قلق المواطنين المتزايد على امنهم وممتلكاتهم ومستقبل بلدهم، وغيرها من المشاكل الاقتصادية والاجتماعية الآخذة بالتفاقم. 

وهذا كله يؤكد ان العودة الى سياق تشكيل حكومة توافقية محاصصاتية كالسابقات، وهو المرفوض شعبيا وسياسيا، معناه الإصرار على إبقاء دوامة الازمات، والمزيد من ضياع المال العام والإمكانات، وتدهور الأوضاع على الصعد المختلفة، واستمرار معاناة المواطنين وتفاقمها. ولا ينفع هنا تزايد واردات الدولة بفضل ارتفاع أسعار النفط، في ظل منظومة المحاصصة والفساد وانعدام الرؤى وسوء الإدارة.

وإذ يجري اليوم التدافع والهرولة نحو تشكيل حكومة، طمعا في استغلال انسحاب الكتلة الصدرية من البرلمان الذي فقد كثيرا من صدقية تمثيله للمواطنين العراقيين، فان هؤلاء المواطنين يسمعون الوعود ذاتها التي سمعوها طيلة السنوات العجاف الماضية، فيما البلد يتقهقر الى الوراء. 

ان حكومة كالتي يعلن عن التوجه لتشكيلها وفق ذات النمط التوافقي المحاصصاتي في الجوهر، لن تكون قادرة على انتشال البلد من ورطته التي دفعه اليها المتنفذون، ولهذا فهي لا بد ان تكون حكومة في احسن الأحوال مؤقتة، تهيء متطلبات اجراء انتخابات مبكرة عادلة ونزيهة، كمخرج سلمي ودستوري يجنب البلاد الفوضى والاحتمالات السيئة، وتعبر بحق عن إرادة الناس وتطلعهم الى التغيير الشامل عبر الخلاص من منظومة المحاصصة والفساد، وتكون أساسا لحياة برلمانية وديمقراطية سليمة. 

ويقينا ان هذا لن يتحقق الا بالمزيد من الضغط الشعبي، الذي نلاحظ ارهاصات التصاعد في زخمه من خلال تنامي احتجاجات الفئات والشرائح الاجتماعية المختلفة في العديد من المحافظات، حاملة مطالب مشروعة تتعلق بظروف المعيشة المتدهورة. 

ومطلوب في هذا الشأن من الشيوعيين وبقية قوى التيار الديمقراطي، وسائر القوى المدنية والديمقراطية والتشرينية، السعي المشترك الجاد من أجل توحيد عمل سائر القوى والتنظيمات والشخصيات، للوقوف بوجه نهج الطائفية السياسية وتعرية دوافع المتشبثين به وأنانيتهم على حساب مصالح الشعب والوطن العليا، ولدعم الحراك الشعبي والجماهيري باشكاله المتنوعة، لانتزاع حقوق الشعب وفرض ارادته في التغيير الشامل، لصالح البديل الوطني الديمقراطي ولتحقيق العدالة الاجتماعية.