تحول إلى منظومة ونهج برعاية وحضانة المحاصصة الطائفية

أكد السياسي العراقي رائد فهمي، ان العراق يواجه ازمات سياسية واقتصادية واجتماعية عميقة تتجلى في فشل اداء الدولة المتضخمة في توفير الخدمات الاساسية وبناء وتطوير البنى التحتية المادية والاجتماعية، واستشراء الفساد وتحوله الى منظومة متغلغلة في جميع مفاصل الدولة.

وقال فهمي، وهو سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي، في حوار مع «النهار»، ان اوضاع العراق تنطوي على توترات شديدة على خلفية تفاقم ازمة نهج المحاصصة، وبات التغيير ضرورة، والانتخابات الحرة النزيهة يفترض ان تشكل منعطفا في الحياة السياسية على طريق التغيير المطلوب ويردم هوة عدم الثقة بين الشعب والسلطة.

كما اكد السعي الى تشكيل تحالفات وتفاهمات واسعة لدعم المرشحين المناصرين لمشروع وطني ومدني ديموقراطي مناهض للمحاصصة والفساد والتدخلات الخارجية ويضع العراق على طريق بناء دولة المواطنة القادرة على تحقيق الاعمار والتنمية المستدامة».. والى نص الحوار:

 

كيف تقرأ الوضع العام في العراق اليوم؟

- العراق يواجه ازمات سياسية واقتصادية واجتماعية عميقة تتجلى في فشل اداء الدولة المتضخمة في توفير الخدمات الاساسية وبناء وتطوير البنى التحتية، واستشراء الفساد وتحوله الى منظومة متغلغلة في جميع مفاصل الدولة تتمتع بحماية من جهات نافذة في السلطة وتجد في نهج المحاصصة الطائفية والسياسية، حاضنة له.

وقد ظهرت هذه الأزمات على الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي بشكل تعمق الطابع الريعي للاقتصاد العراقي وانحسار انشطته الانتاجية والزراعية والصناعية والخدمية المساندة لها وتحول العراق الى سوق استهلاكية لدول الجوار والعالم، فيما ارتفعت نسبة الفقر لتشمل ما بين ربع وثلث الشعب العراقي، وانتشرت البطالة لاسيما في صفوف الشباب بما في ذلك حملة الشهادات العليا، واتسعت هوة في الدخل والثروة بحيث تجاوز الفقر المطلق مع الثراء الفاحش لفئات تمتعت بمزايا ومنافع فائقة واستحوذت بفسادها على المال العام.

وجاءت انتفاضة تشرين (أكتوبر) 2019 لتعبر عن الرفض الشعبي الواسع للاوضاع السائدة ولمنظومة حكم المحاصصة والفساد، ومطالبة بالتغيير، تحت شعار «نريد وطن» عبر انتخابات مبكرة حرة ونزيهة وعادلة.

وحكومة الكاظمي تعهدت في برنامجها بمحاسبة قتلة المتظاهرين ومحاربة الفساد وحصر السلاح بيد الدولة واتخاذ اجراءات اقتصادية للتخفيف من معاناة الشعب وتنظيم انتخابات مبكرة حرة ونزيهة. ولكن بعد مرور تسعة أشهر على تشكيلها لم يتحقق تقدم ملموس في تنفيذ معظم هذه الوعود والالتزامات، وخصوصا محاسبة حيتان الفساد وتحسين الاوضاع المعيشية للمواطنين. وقد قامت الحكومة بتعيين موعد الانتخابات المبكرة واضطرت الى تأجيله الى العاشر من اكتوبر القادم، ولكن لا تزال العديد من شروط الانتخابات النزيهة غير متوفرة، فالسلاح خارج نطاق الدولة لا يزال منتشرا ويتحرك بحرية، والمال السياسي ينفق بشكل باذخ لشراء الأصوات واستمالة المرشحين، ولم يتم تمرير قانون المحكمة الاتحادية او تعديله كما لا توجد ضمانات بان يقوم مجلس النواب بحل نفسه قبل موعد الانتخابات بشهرين وفقا للدستور.

أوضاع العراق تنطوي على توترات شديدة على خلفية تفاقم ازمة نهج المحاصصة، وبات التغيير ضرورة، والانتخابات الحرة النزيهة يفترض ان تشكل منعطفا في الحياة السياسية على طريق التغيير المطلوب ويردم هوة عدم الثقة بين الشعب والسلطة. وما لم تتحقق شروط الانتخابات الحرة، ستشتد الازمة وتنفتح الاوضاع الى مآلات واحتمالات غير محسوبة العواقب.

 

زيارة بابا الفاتيكان المرتقبة الى العراق.. الى ماذا تؤشر؟

- ستمثل الزيارة حدثا تاريخيا كما وصفت بحق. ويجدر التذكير ان البابا يوحنا الثاني كان قد شرع بترتيب زيارة الى مدينة اور مرقد النبي ابراهيم عام 1999 ولكنها لم تتحقق بسبب ظروف العقوبات الدولية المفروضة على العراق آنذاك وعدم استقرار الأوضاع السياسية.

لا شك ان زيارة البابا ستحمل رسالة سلام ووئام وتضامن انساني موجهة الى داخل العراق والى شعوب ودول المنطقة والعالم. ولكن الى جانب البعد الديني المهم العام للزيارة لكون العراق موطن الأنبياء والرسل، للزيارة اهداف اخرى، في مقدمتها التضامن وتشجيع ودعم مسيحيي العراق والذين تعرضوا للويلات من قتل وتهجير واستيلاء على ممتلكاتهم وتدمير لرموزهم ومؤسساتهم الدينية والثقافية على يد تنظيم «داعش» الارهابي الدموي والعناصر المتطرفة وكذلك التضامن مع ابناء الاديان والطوائف الأخرى ضحية جرائم داعش، وخصوصا الأزيديين الذي ارتكبت بحقهم افظع جرائم الابادة وضد الانسانية من سبي للنساء وقتل على الهوية وتهجير.

ولا تخلو الزيارة من رسائل سياسية الى العراقيين وقيادات الدولة والمجتمع للعمل حثيثا من اجل ايجاد الأجواء المناسبة الضامنة للحقوق على اساس المواطنة والكفيلة بتعزيز العيش المشترك والامن والسلم الأهليين بين سائر اطياف شعبنا.

 

أين الرقابة؟

ما حظوظكم في الانتخابات المقبلة؟

- ان تقدير حظوظ المرشحين انصار التغيير والخلاص من منظومة المحاصصة والفساد يعتمد الى حد كبير على مدى توافر شروط ومستلزمات الانتخابات الحرة النزيهة والعادلة التي تعكس بأمانه الرأي الحر للناخب، وتشمل هذه المستلزمات توفير منظومة انتخابية عادلة ونزيهة ومستقلة فعلا، وعناصر المنظومة تتكون من قانون ونظام انتخابي عادلين ومفوضية انتخابات مستقلة فعلا بكامل مستويات هيكلها الاداري وضمان اشراف ورقابة وطني ودولي فاعل ونزيه على عملية الانتخابات وآليات عمل وضوابط تمنع التزوير وتطبيق جاد لقانون الاحزاب الذي يحظر مشاركة الأحزاب التي لديها اذرع مسلحة ويطالب الاحزاب بالكشف عن مصادر تمويلها. والى جانب ذلك، على الدولة توفير بيئة آمنة تضمن حرية تعبير الناخب والمرشح، وهي غير متوفرة الى حد كبير بسبب استمرار عمليات الاغتيال والخطف والاعتداء من قبل جماعات مسلحة من دون الكشف عن الجناة وغياب اية اجراءات رادعة لهم. كما تتطلب المنافسة العادلة وضع ضوابط وسقوف للمبالغ التي تنفق في الحملات الانتخابية واتخاذ اجراءات عقابية حازمة ضد القائمين بعملية شراء الأصوات التي تجري بوضح النهار.

 

العدالة الاجتماعية

هل تتوقعون تغيرا في المشهد بعد الانتخابات المقبلة؟

- في حال توفر شروط ومتطلبات الانتخابات الحرة النزيهة والعادلة، فمن المتوقع ان تعكس بدرجة غير قليلة التطلع الشعبي نحو التغيير في النهج والشخوص المسؤولين عما آلت اليه الأوضاع من تدهور في اوضاع الدولة والمجتمع بحيث اصبح العراق، الغني بثرواته الطبيعية والبشرية وصاحب التراث الحضاري العريق والذي كان في سبعينيات القرن الماضي متقدما على كوريا الجنوبية، غارقا في الديون ويستعصي على الدولة دفع رواتب العاملين وتدهور فيه التعليم والصحة بعد ان كان في مقدمة الدول النامية. ونسعى الى تشكيل تحالفات وتفاهمات واسعة لدعم المرشحين المناصرين لمشروع وطني ومدني ديموقراطي مناهض للمحاصصة والفساد والتدخلات الخارجية التي تنتهك بالسيادة الوطنية ويضع العراق على طريق بناء دولة المواطنة القادرة على تحقيق البناء والاعمار والتنمية المستدامة وتأمين العيش الكريم لسائر ابناء شعبنا وقدر اكبر من العدالة الاجتماعية.

ان احتمالات التغير في المشهد ومستواه مرهونة بمدى نزاهة العملية الانتخابية وبمدى نجاح قوى التغيير في توحيد عملها واقامة تحالفاتها وتجاوز حالة التشتت التي تسود حاليا.

 

هل انتم مع الإشراف الدولي للانتخابات؟

- نعم.. الاشراف والرقابة الدوليين مطلوبان في اطار احترام السيادة الوطنية. وتنطلق المطالبة بالاستعانة بالمنظمات والمراقبين الدوليين، والذي طالبت به الحكومة العراقية في الرسالة التي وجهتها الى مجلس الأمن، من الحرص الشديد على ضمان حرية ونزاهة هذه الانتخابات التي ينتظر الشعب منها ان تحدث اختراقا سياسيا في منظومة الحكم التشريعية والتنفيذية لاحقا لصالح قوى التغيير الجادة والملتزمة بتحقيق مطالب شعبنا المنتفض في تشرين 2019.

 

قرار مستقل

ما شروطكم للتحالف مع الكتل المتبقية؟

- يجدر التذكير بان هذه الانتخابات تعتمد نظام الدوائر المتعددة في كل محافظة والترشيح الفردي والصوت غير المتحول. وهناك مرتكزان محوريان للتحالفات من وجهة نظرنا، الأول يتعلق بالبرنامج والمشتركات التي تتقاسمها القوى والشخصيات الراغبة في التحالف، ولا بد ان يكون حاضرا ضمن مفردات البرنامج البعد المدني ورفض نهج المحاصصة والمحاربة الحازمة للفساد والفاسدين وتقديمهم الى القضاء والكشف عن ملفات الاغتيال والخطف، واعتماد مبدأ المواطنة في الدولة وتعييناتها والتشديد على القرار الوطني المستقل وسياسة حسن الجوار القائمة على اساس المصالح المتبادلة مع دول المنطقة والعالم، وتبني سياسة اقتصادية تنحو الى توسيع القاعدة الانتاجية للاقتصاد العراقي وتنويعها وتقليص الاعتماد على الريع النفطي.

المرتكز الثاني يتعلق بطبيعة القوى والشخصيات والتي ينبغي ان تكون خالية من اي شائبة فساد وذات مواقف تنسجم مع مشروع التحالف.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

جريدة “ النهار”  الكويتية الجمعة 19 شباط 2021

عرض مقالات: