اخر الاخبار

يدوّن التاريخ مواقف الرجال ويكشف الحقائق وإن طال الزمن. ونحن هنا أمام موقفٍ يستلهم الشجاعة من المبادئ التي يؤمن بها الإنسان، ويثبت أن الموقف الحقيقي لا يُقاس بحجم صاحبه، وإنما بقدرته على الثبات أمام الطغيان.

وإزاء ذلك نقول: لم يكن الشاعر كرماني سوى شاعرٍ كبير السن، وقف منتصبًا بقامته بالقرب من الملك العظيم تيمورلنك، رافضًا إلقاء قصيدة في حضرته، ولقي مصيراً مجهولاً. لكن كرماني ظل نموذجًا للثائر الرافض لكل إغراءات تيمورلنك.

وكذلك موقف أحمد فؤاد نجم، ومحمد الماغوط، وفؤاد سالم، وعشرات من رجال الكلمة الذين جاهروا بمواقفهم، ورفضوا كل أشكال الدكتاتورية والطغيان. ولعل هذه المواقف تكررت لدى الكثير من كبار الأدباء والمثقفين في العالم.

وعلى العكس من ذلك، نجد مواقف بعض شعراء العراق الذين انحنوا وقبّلوا أحذية الطاغية الفاشي صدام حسين، وظلوا يتسابقون إلى دواوينه العفنة كي ينالوا رضاه، حتى أصبح وجودهم جزءًا من أسباب مكوثه على رقاب الشعب.

ولا أريد أن تستغرقني هذه النكرات، فقد استوقفني إيجابًا ما عرضه الدكتور حميد عبد الله حين استعرض مأساة مقتل الشاعر الشعبي فالح الطائي، من أهالي البصرة، وكيف عُذّب وقُتل على يد مجرمي البعث في اتحاد نقابات العمال في البصرة، تنفيذًا لأوامر النظام الفاشي.

لقد بيّن الدكتور حميد عبد الله أن الشاعر فالح الطائي لم يكن سوى عاملٍ بسيط في معمل الورق في البصرة؛ لم يكن مهندسًا، ولا مديرًا، ولا سياسيًا، ولم يكن جاسوسًا أو عميلًا أو متآمرًا على العراق. كان مجرد إنسان يحمل أحلامًا، ويطالب بحقوق الفقراء والعمال وفق نظرية آمن بها.

فالح الطائي لم يرفع السلاح في وجه السلطة البعثية، ولم يفجّر مفاعلًا نوويًا، ولم يقتل بعثيًا فاشيًا أو أي إنسان. كل ما كان يملكه هو أحلامه وأمانيه، وإيمانه بما يعتقد أنه حق.

وحسب رواية حميد عبد الله، وأثناء الحملة النازية ضد الشيوعيين والقوى الوطنية في بداية عام 1978، هرب الشاعر فالح الطائي إلى بغداد، ليعمل عاملًا لدى أحد المقاولين، كي يعيش يومه.

وشاءت الأقدار أن يتوفى أخوه في البصرة، فاتصل به أحد المقربين منه، ودعاه إلى حضور مجلس فاتحة أخيه عام 1982. وعند حضوره، أُلقي القبض عليه بوشاية من أحد أصدقائه.

وهنا تبدأ المأساة؛ إذ خضع لتعذيب شديد وقاسٍ، ومكث في أمن البصرة، ثم رُحّل إلى بغداد، ليسلَّم إلى المجرم فاضل البراك، الذي رفع تقريره إلى صدام حسين، موضحًا مدى صمود هذا الشاعر الشيوعي. وحسب ما أورده الدكتور حميد عبد الله، كتب صدام حسين بخط يده أمرًا بتصفية الشاعر، وأن تكون تصفيته في اتحاد نقابات عمال البصرة، من دون رحمة.

وفعلًا، اقتيد فالح الطائي إلى الاتحاد، وأُجبر على الوقوف على المسرح أمام زبانية النظام، ليتحدث عن سيرته. وأثناء وقوفه، تقدّم إليه أحد الجلادين، وأطلق رصاصة على رأسه، ثم أُمر بقية أعضاء الاتحاد بتوجيه رصاصهم نحو جسد الشاعر فالح. بعدها دُفن في الزبير، وانتهت حياة هذا الإنسان، كما انتهت حياة آلاف الضحايا في تلك الحقبة السوداء.

أقول: هذه حكاية من حكايات آلاف، راحوا ضحية تلك الحقبة. والسؤال هنا: ما هذا الجبروت؟ وما هذه الخسّة؟ وما هذا الطغيان؟ أليست هذه الصورة المصغّرة تكشف لنا جانبًا من حيثيات ذلك الإجرام؟

أكرر، أمام هذه الحقائق: كم كان فالح الطائي شجاعًا وهو يقارع فاشية صدام! لقد امتلك ما عجز عنه الكثيرون: موقفًا لم يتخلَّ عنه، حتى عندما أصبح الثمن حياته. وأدعو من على عينيه غشاوة، وما زالت أحلامه توحي له بحب صدام، أن يصحو، وأن يقرأ التاريخ بعينٍ مفتوحة، بعيدًا عن تقديس الأشخاص وصناعة الأصنام.

وأخيرًا، أنا هنا لا لأقول إن النظام الحالي يمتلك صورة وردية؛ بل أراه نظامًا أغرق العراق في الفساد والتخلف والصراعات الداخلية. لكن نقد الحاضر لا يعني تبرئة الماضي، كما أن رفض أخطاء الحاضر لا يمكن أن يكون مبررًا لتمجيد نظامٍ مارس القمع والقتل والاستبداد.

شكرًا مرة أخرى للدكتور حميد عبد الله، وهو يكشف لنا حقيقة مقتل الشاعر فالح الطائي، ويعيد إلى الذاكرة سيرة رجلٍ لم يمت حين أُطلقت عليه الرصاصات، بل بقي حيًا في ذاكرة الذين يؤمنون بأن الموقف موقف، وأن الكلمة قد تكون أثمن من الحياة.