خلال السنوات الاخيرة الفائتة، قفزت إحصائيات التسول في البلاد، الى أرقام مخيفة، بسبب ما عاصر تلك الأعوام من حروب وفقر ونزوح وتهجير، أضحت معها الشوارع في كل مكان، تغصّ بالمتسولين.

ولمعالجة تلك الظاهرة، تعتزم وزارة العمل والشؤون الاجتماعية الى إجراء مسح ميداني للمتسولين، لكن باحثين ومطلعين شككوا في قدرة الوزارة على مكافحة التسول.

مسح ميداني

وأعلنت وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، قرب إجراء مسح ميداني للمتسولين تمهيداً لشمولهم بخدمات الوزارة.

وذكرت الوزارة في بيان تلقت “طريق الشعب”, نسخة منه، أن “وزير العمل عادل الركابي بحث خلال زيارته مجلس القضاء الأعلى مع عدد من اعضاء هيأة الطفولة ملف التسول والانتهاكات بحق الطفولة في العراق”، مؤكدا “قرب اجراء مسح ميداني للمتسولين في الاماكن العامة تمهيدا لشمولهم بخدمات الوزارة”.

وأكد البيان أن الوزارة تسعى “للوصول الى الشبكات المنظمة التي تقف وراءهم والقيام بالاجراءات القانونية بحقهم، فضلاً عن شمول المستحقين منهم بخدمات الوزارة بعد التعاون مع عدد من الوزارات وخاصة وزارة الداخلية والامن الوطني”.

أسباب الظاهرة

من جانبه، اكد المهتم الباحث الاجتماعي، علي الخفاجي، ان ملف المتسولين معقد وكبير، ولا تستطيع جهة معينة وحدها معالجته.

وقال الخفاجي لـ”طريق الشعب”، ان “هناك اسبابا متعددة وراء انتشار ظاهرة التسول في العراق من ابرزها الفقر والحاجة للقمة العيش، والبطالة”، الى جانب “اسباب نفسية منها شعور الفرد بالحرمان والحاجة للمال ورغبته في الحصول عليه بطريقة سهلة من خلال استجداء عواطف الناس”.

وأضاف ان “غياب المتابعة الامنية وعدم وجود قوانين واضحة تردع المتسولين والمتاجرين بالطفولة، وسوء التربية وانتشار الامية وحرمان الاطفال من التعليم وتسربهم من المدارس والتفكك الاسري وغياب العدالة الاجتماعية، هي عوامل اساسية في انتشار هذه الظاهرة”.

ويفصل الخفاجي المتسولين الى ثلاث فئات؛ اولاها هم الفقراء الذين لم يحصلوا على رواتب من الرعاية الاجتماعية، والنازحون من مناطق الصراع في العراق وسوريا. اما الفئة الثانية فهم النصابون الذين يستخدمون حيلاً ذكية من اجل كسب الود والاستعطاف”، مبينا ان “الفئة الثالثة هي الاخطر وهم  العصابات التي تقوم بادارة اغلب عمليات التسول من خلال استئجار الاطفال والنساء واستغلالهم في عملية التسول، ما يعتبر اتجارا بالبشر”.

اقتحام عالم التسول

وحاولت “طريق الشعب” الدخول الى هذا العالم الغامض، فكانت الخطوة الاولى، الذهاب الى منطقة البتاوين، وسط العاصمة بغداد، حيث معقل المتسولين، لتسليط الضوء على تلك الظاهرة. ومن هناك حاول مراسل “طريق الشعب” التحدث الى عدد من النساء اللاتي، يحملن اطفالا لا تتعدى اعمارهم 3 سنوات. وقد رفض اغلبهن الحديث، لكن متسولة تحمل جنسية بلد عربي، كشفت جزءا من كواليس ممارساتها اليومية.

وقالت المتسولة التي رفضت الكشف عن اسمها، ان “هناك اشخاصا يقومون بتوفير السكن والطعام وحتى العلاج للنساء والاطفال في منطقة البتاوين، مقابل توزيعهم على شوارع العاصمة بغداد، صباح كل يوم، لغرض استجداء الاموال من المارة.

وأضافت، ان “النساء اللائي يحصلن على مبالغ جيدة من التسول، يتلقين رعاية خاصة”، لافتة الى انهم “يتعرضون للتفتيش الدقيق عند عودتهم الى اماكن سكنهم، من قبل هذه المجاميع التي ترعاهم، للتأكد من عدم اخفاء بعض الاموال”، لأن عقوبة من يحاول ذلك تصل الى الضرب العنيف، والحبس في داخل الفندق.

طرق احترافية للتسول

وقرب مدينة الطب في منطقة باب المعظم، تتجول عجلة قديمة، وفي داخلها سيدة تجلس بملابس رثة، وعلى جنبيها طفلان، تبدو عليهما مظاهر المرض والفقر. وبينما تسير تلك السيارة ببطء، يحاول سائقها كسب عطف المارة، من خلال التوقف عندهم، ليطلب المساعدة منهم، بحجة انهم من محافظة اخرى، ولا يطلب سوى ملء خزان وقود سيارته.

ويتعاطى النصابون مع ظاهرة التسول بطرق مختلفة؛ إذ يروي المواطن محمد صانت لمراسل “طريق الشعب”، قصته مع المتسولين المحترفين، قائلا ان “امرأة كبيرة في السن ركبت معه في حافلة نقل الركاب من منطقة جامع النداء الى الباب الشرقي، وأثناء تحرك السيارة بدأت برواية حكايتها، مدعية ان ابنها قام بطردها، وهي تروم الذهاب الى بيت ابنتها في محافظة اخرى، ما يدفع اغلب الركاب الى التعاطف معها، واعطائها الاموال”. يقول صانت ان هذه الحادثة تكررت معه ومن قبل السيدة نفسها في مكان اخر.

الوضع القانوني

ورغم ان المشرع العراقي عد التسول من الجرائم الاجتماعية في قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 المعدل، حيث نصت المادة 390/1 على ان “يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على شهر كل شخص أتم الثامنة عشرة من عمره، وكان له مورد مشروع يتعيش منه، او كان يستطيع بعمله الحصول على هذا المورد، وجد متسولا في الطريق العام او في المحلات العامة أو دخل دون إذن منزلا أو محلا ملحقا لغرض التسول، وتكون العقوبة الحبس مدة لا تزيد على ثلاثة أشهر اذا تصنع المتسول الإصابة بجرح أو عاهة أو الح في الاستجداء”.

اما بخصوص المتسول الذي لم يتم الثامنة عشرة من عمره، فقد نصت الفقرة الثانية من المادة نفسها على “اذا كان مرتكب هذه الأفعال لم يتم الثامنة عشرة من عمره تطبق بشأنه احكام مسؤولية الأحداث في حالة ارتكاب مخالفة، ويجوز للمحكمة بدلا من الحكم على المتسول بالعقوبة المنصوص عليها في المادة السابقة أن تأمر بإيداعه مدة لا تزيد على سنة، دارا للتشغيل إن كان قادرا على العمل، أو بإيداعه ملجأ أو دارا للعجزة أو مؤسسة خيرية معترف بها، اذا كان عاجزا عن العمل”.

وحول هذه الفقرة، يعلق الخبير القانوني، محسن كريم، في حديث لـ”طريق الشعب”، قائلا ان “القانون لا يتجزأ، ومن غير الممكن تطبيق فقرة منه واهمال الاخرى”، مبينا ان “تطبيق القانون على المتسولين يتطلب وجود مؤسسات حكومية، تتولى رعاية المحتاجين منهم، ورعاية القاصرين وحمايتهم”.

واضاف ان “اغلب هذه المؤسسات معطلة ونسب الفقر في ارتفاع كبير مع ازمة اقتصادية خانقة والدولة عاجزة عن أداء مهامها في امور صغيرة، كيف لها ان تعالج مشكلة كبيرة مثل التسول”، مشيرا الى “وجود عصابات ومافيات تستغل القاصرين والمحتاجين والمهجرين من اجل تشغيلهم في مهنة التسول”.

عرض مقالات: