تحاصر المواطنين، لا سيما ذوي الدخل اليومي المحدود والفقراء وغيرهما، أزمات متلاحقة، تبدأ بغذائهم ولا تنتهي بدوائهم.  فهذه الفئات تشتكي من تجاهل الحكومة لمعاناتهم وظروف عيشهم، كما يقاسون من جشع الأطباء، الذين حوّل كثير منهم عياداتهم الى بورصات تتاجر بصحة المواطن.  “الكشفية” وتبعاتها أخذت تؤرق المرضى من المواطنين وذويهم، لأنها تحمل رموزا “مشفرة” لا يفكك لغزها سوى الصيدلاني وكاتبها الطبيب! 

لغز “الكشفية”

ولتسليط الضوء على تعاطي الناس مع الاطباء والأدوية، التقت “طريق الشعب” عددا من المواطنين، الذين كشفوا عن معاناة مريرة يقاسونها من جراء التسعيرة الجنونية لـ”كشفية الاطباء”، وأسعار الأدوية، لا سيما بعد تغيير سعر صرف الدولار أمام الدينار.

المواطنة ام فاطمة، قالت لـ”طريق الشعب”، انها تشكو آلاما في المفاصل، وتضطر دوريا لمراجعة الطبيب، الذي وصف لها مؤخرا “العديد من الادوية وحدد احدى الصيدليات الخاصة في منطقة باب المعظم، لشرائه منها”.

واضاف أم فاطمة، ان تكلفة “الراجيته” بلغت (١٧٠ الف دينار)، لكنها في مكان آخر لم تزد قيمتها على 125 الفا، مشيرة الى ان الطبيب تحجج بأن الاولى تجلب بضاعتها من مناشئ عالمية، برغم أنها لم تجد فرقا في المنشأ والمنتج.

مراجعون يسألون عن دور النقابة؟

أما أم سلوان (موظفة)، فتقول لـ”طريق الشعب” انها راجعت أحد أطباء الأطفال في منطقة المنصور، قبل أيام قليلة، مضيفة ان سكرتير الطبيب منحها تسلسلا برقم (46)، لكنها تقدمت الى صدارة قائمة المراجعين بعد أن اعطته 15 الف دينار “كنت قلقة على طفلي”، هكذا بررت دفعها الرشوة.

وتؤكد أم سلوان أن الطبيب اشترط عليها شراء الادوية من صيدلية مجاورة، والتي بلغت كلفتها 65 الفا، متسائلة “أين دور نقابة الأطباء ونقابة الصيادلة من ارتفاع أجور الفحص الطبي وأسعار الأدوية، التي تلقي بثقلها على حالتنا المعيشية الصعبة”.

المريض - الضحية

وتحدث عبد الرزاق هاشم (مشرف تربوي متقاعد) عن وجود “اتفاقات بين بعض الأطباء وأصحاب الصيدليات الخاصة، الذين يتكفل بعضهم أجور عيادات الاطباء مقابل ترويج ادويتهم”.

وبين هاشم في حديثه لـ”طريق الشعب”، ان هؤلاء الاطباء يكتبون “كشفيات مشفرة” لمرضاهم، لأجل ضمان ذهابهم الى تلك الصيدليات.

وأكمل المتحدث، ان “سعر الدواء الذي يصرفه هذا الصيدلاني يكلف (50,000) دينار، بينما في صيدليات أخرى لا يتجاوز (30,000) دينار”، وبالتالي هناك ضحية واحدة لمؤامرة الطبيب والصيدلاني، وهو المواطن المريض.

تداعيات خطيرة

فيما يشير بهاء أحمد (موظف)، الى أن تردي الواقع الصحي في العراق بشكل عام، وباعتراف المؤسسة الصحية المتمثلة بوزارة الصحة “كانت له تداعيات خطيرة على صحة المواطن وخاصة الطبقات الفقيرة”.

وتطرق أحمد الى التكاليف الجنونية لـ”فحوصات المختبرات مثل السونار والأيكو والمفراس والرنين”، التي يضطر المواطن الى اللجوء للقطاع الخاص، بسبب اكتظاظ المراجعين على الاجهزة الحكومية، حيث تزيد مواعيد الفحص على اكثر من شهرين.

واشار في حديثه لـ”طريق الشعب” عن شح أدوية الأمراض المزمنة (الضغط ، السكر ، القلب) لكبار السن في المستشفيات، مشيرا الى ان المراجعين “في معظم الأحيان لا يحصلون على حصتهم بالكامل، بل نصف كمية الدواء المقرر” بحسب تأكيده.

المستشفيات الاهلية

أما بهاء حسين، فيقول انه يفضل المعالجة في المستشفى الاهلي، بسبب “عدم توفر الدواء اللازم في معظم المستشفيات الحكومية، إضافة إلى نقص الكوادر الطبية التخصصية”.

ويضيف في حديثه لـ”طريق الشعب”، ان “المستشفيات الأهلية تقدم خدمة جيدة ودواء متكاملا، لكن مقابل ثمن باهظ، لا يقوى على تحمله أصحاب الدخل المحدود والفقراء”.

معالجة بالدين!

جاسب زوير (عامل بناء)، يقول “راجعت أحد أطباء الجملة العصبية في عيادته الخاصة، وكانت أجرة الفحص (40,000) دينار، إضافة إلى تكلفة الدواء بلغت (70,000) دينار، وكلفت التحاليل المختبرية (50,000) دينار”، ولم يكتف الطبيب بذلك انما طلب من جاسب أن يجري له فحص الرنين المغناطيسي “راجعت أحد المستشفيات الحكومية لكن بسبب الازدحام الشديد والمحسوبية والوساطات، اضطررت إلى إجراء الفحص في إحدى العيادات الخاصة في شارع المغرب مقابل (200,000) دينار”.

تلك الرحلة التي لم تنته كلفت زوير (360.000) دينار، واضطرته لأن يستدين مبلغا معينا لإكمال اجراءات الفحص.

حجج غير مقنعة

سحر عبد الجبار (ربة بيت)، لها قصة أخرى مع الأسنان، حيث تقول إن “أكثر العيادات والمراكز الصحية الحكومية يتواجد فيها طبيب متخصص بقلع الأسنان فقط، وتتم هذه العملية بدون بنج، لعدم توفره في الكثير من الأحيان، اما بالنسبة للحشوات فهي أيضاً غير متوفرة بحجة أن وزارة الصحة لا تقوم بتزويد المراكز الصحية بالأعداد التي تكفي المراجعين، مما يضطرنا إلى مراجعة أطباء الأسنان في عياداتهم الخاصة والتي تكلفنا مبالغ كبيرة جداً لا تتناسب مع حالتنا الاقتصادية والمعيشية”.

وتؤكد سحر انها اضطرت الى دفع (90,000) دينار “لتحشية جذر احد اسنانها، الى جانب أجور المعاينة التي تبلغ 25 الفا”، ملاحظة ان تلك الاسعار تختلف من منطقة الى أخرى.

وتقول عبد الجبار، إن الاطباء يتحججون بأن “إيجار عياداتهم الخاصة لا تقل عن 500 الى 800 دولار شهريا، الى جانب أجور السكرتيرة والمولدة الأهلية وغير ذلك.

بورصة الدواء

وعن أسباب ارتفاع أسعار الأدوية وأجور الاطباء والتي تسبب ضغطا كبيرا على العائلات الفقيرة والمعدمة، حدثت لـ”طريق الشعب” الدكتورة الصيدلانية أزهار سامي قائلة: “سابقاً كان الدواء يحدد بتسعيرة خاصة، ونستلم حصصا دوائية منتظمة، أما حاليا فإن الدواء بات تحت رحمة التجار حيث يكون العمل بين المذاخر وأصحاب الصيدليات الخاصة، وبدون وضع تسعيرة أو مراقبة على هذه الأدوية”.

وتشير الى ان “العديد من الصيدليات تدار من قبل ممرضين وغير متخصصين ليس لها علاقة بالمجال الطبي أو الأدوية، بينما يقومون بصرف الأدوية دون الاحاطة بمخاطرها وتداعياتها”.

وتكشف أيضا عن قيام بعض أصحاب الصيدليات بتأجير إجازة ممارسة المهنة من صيدلاني بمبلغ قدره (750,000 – 900,000) دينار شهرياً، من دون أن يعمل فيها، انما يحضر فقط عند قيام اللجان الصحية المختصة بجولة تفتيشية إلى هذه الصيدليات.

وتبين د. أزهار ان “أصحاب المذاخر الأهلية يقومون باحتكار العديد من الأدوية وبالأخص الأمراض المزمنة والقلبية والمفاصل والسرطان، والتي لا تتوفر في الكثير من الأحيان في المذاخر الحكومية”.

وأخيراً.. كيف يمكن للجهات الرقابية الصحية ونقابتي الأطباء والصيادلة، وضع حد لمثل هكذا ظواهر سلبية وسلوكيات، جعلت من هذه المهنة الإنسانية والمقدسة “مذبحاً لنحر جيوب الفقراء والمعدمين والكسبة وذوي الدخل المحدود؟”.

عرض مقالات: