لم تكنْ أسعار الأدوية، المواد الغذائية الأساسية، الكمالية، وغيرها، بحاجة لمزيد من الاهتياج، فجيوب المواطنين، لا سيما ذوي الدخول المحدودة، أنهكتها الأزمات السابقة التي خلفتها سياسات الحكومات المتعاقبة، بينما أتت أزمة الدولار الأخيرة على ما تبقى لديهم من قوت يومهم.

ويقول مواطنون ومعنيون، إن ارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية الأساسية، مؤخرا، أثّر بشكل كبير على الوضع المعيشي لكثير من الناس.

ويشكو متحدثون لـ”طريق الشعب” من عدم قدرتهم على الإيفاء بالالتزامات اليومية، جرّاء تخبط سعر صرف الدينار، وعدم قدرة الجهات المعنية على السيطرة على أسعار المواد الأساسية في السوق التجارية.

شكاوى المواطنين

ويشكو صاحب فرن صمون في الكرادة خضير سالم الطائي لـ”طريق الشعب”، بالقول: ان “خفض قيمة الدينار أمام الدولار، أدى الى رفع مادة الطين، بما يزيد على 10 الاف دينار، ما اضطرنا الى تقليل حجم ووزن الصمونة، وهناك من قلّل من عدد الصمون المباع من 8 الى 6 صمونات”.

ويقول إن “تذبذب سعر صرف الدولار، رفع أسعار مادة النفط، وبالتالي اثر ذلك كثيراً على علمنا. ولأجل ذلك قمنا بتسريح عدد من العمال، وقلصنا الرواتب”.

ويطالب الطائي بدعم أصحاب الأفراد بمادتي الطحين والنفط، كونها مصدرا أساسيا في الطعام.

ويؤكد صاحب أسواق بيع مواد غذائية، يدعى علي إبراهيم لـ”طريق الشعب”، أن “أغلب المواد الغذائية التي تدخل في الاستخدام اليومي لحياة المواطنين تأثرت بارتفاع أسعار الدولار”.

ويتابع أن “عبوة زيت الطعام حجم 1 لتر ارتفع ثمنها إلى 3 آلاف دينار، وكيلو الطحين الى 2000 دينار أو أكثر وبحسب النوعيات، الأمر الذي اجبر الكثير من المواطنين على شراء نوعيات رديئة”.

ولم يقتصر تأثير تغيير سعر الصرف على ارتفاع أسعار المواد الغذائية فحسب، بل ان المواد الاستهلاكية الأخرى ارتفع سعرها هي الأخرى، وبات من الصعب حصول المواطنين الفقراء على عليها.

ويذكر المواطن أبو علي، وهو صاحب محال لبيع القرطاسية، في حديث لـ”طريق الشعب”، ان “المتضررين من ارتفاع أسعار الدولار هم المواطنون البسطاء، خاصة ونحن بلاد تفتقر الى صناعة ابسط الأمور على الرغم من توفر الإمكانيات”.

ويقول أبو علي، إن “القرطاسية وباقي الأجهزة المنزلية ارتفع ثمنها كحال المواد الغذائية، ما ارغم العديد من المواطنين على الاعتكاف عن الشراء والتكيف سلبا مع واقع الحال”.

ويرى أبو علي، ان سبب ارتفاع أسعار المواد الغذائية والمنزلية يعود لسيطرة المافيات الفاسدة، وهم لهم الدور الرئيس في استغلال هذه الأزمة على حساب المواطنين.

ماذا عن العمّال والكسبة؟

وقال الأمين العام للاتحاد العام لنقابات عمال العراق عدنان الصفار لـ”طريق الشعب”، ان “العمال والكسبة يعانون من الصعوبات المعيشية، وعدم توفر مصدر عمل ثابت، وبالتالي فإن ارتفاع الأسعار أثر كثيراً على وضعهم الاقتصادي”.

ويذكر الصفار، أنه “وفقا لقانون العمل والتصريحات الحكومية فإن أجور العمال في القطاع الخاص لا تتجاوز حدودها الدنيا 350 الف دينار شهرياً، بحال التزام صاحب العمل بذلك”.

ويتحدث الصفار عن وجود الكثير من هؤلاء، الذين لا تتجاوز رواتبهم الشهرية 300 الف دينار، إضافة إلى أن الكثير غير مسجلين بالضمان الاجتماعي، وبذلك ساهم ارتفاع الأسعار في رفع معاناتهم اليومية، وباتت أجور عملهم لا تسد شيئا من متطلباتهم اليومية مع عوائلهم”.

ويشدد الصفار على ان “الإجراءات الحكومية لا تراعي الوضع الاقتصادي للفئات المجتمعية الأكثر ضعفا، مما يؤدي الى رفع مستوى الفقر في البلاد خاصة وانه بحسب وزارة التخطيط ان هناك 25 في المائة من المواطنين هم تحت خط الفقر”.

غياب الرؤية الاقتصادية

الموظفة لمى رافد من سكنة حي البساتين بمنطقة الشعب قالت: “تزداد معاناتنا بشكل كبير بسبب ارتفاع اسعار المواد الغذائية الاساسية، وعدم وجود رؤية اقتصادية سليمة من قبل الحكومة، تعمل على وضع حد لهذا الارتفاع الذي جاء نتيجة زيادة سعر صرف الدولار”.

وبينت، ان “زيادة الاسعار اثرت على القدرة الشرائية للعوائل وحتى الموظفين ليس باستطاعتهم سد كامل احتياجاتهم اليومية”.

وتضيف رافد بالقول: “كيف يمكن لموظف راتبه اقل من مليون دينار، ان يؤمن أجور المولدة الأهلية وخدمة الإنترنت وخطوط نقل الطلبة والاحتياجات الأخرى مثل إيجار السكن وغاز الطبخ والنفط الأبيض ومياه الشرب وغيرها الكثير. هذه المصاريف بمجملها تصل إلى أكثر من مليون دينار شهريا”.

أما المواطن ابو أنور من سكنة منطقة سبع البور، فقد أشار الى ان “هناك تأثيرا كبيرا على الفقراء بسبب تذبذب صرف الدينار، خاصة ان اغلب سكان المنطقة هم من الفقراء والكادحين والعاطلين عن العمل”.

ويتحدث المواطن محمد حسن ـ وهو صاحب محل لبيع المواد الغذائية في الغزالية ـ عن الارتفاع الكبير في اسعار المواد الغذائية في سوق الجملة الذي بدوره اثر بشكل كبير على مبيعات الاسواق، قائلا: “نفذت في اسواقي مواد مهمة، لكني لم أستطع تعوضيها بسبب ارتفاع الأسعار”.

ويتابع: “في السابق اشتري أربعة صناديق بيض، بينما الان اشتري اثنين فقط، بسبب ارتفاع سعرها، اضافة الى ارتفاع سعر مادة الطحين وأيضا ارتفاع اسعار المواد الغذائية الاساسية الأخرى وحتى المنظفات والصوابين، لذلك قلّت القدرة الشرائية للمواطنين، لان اغلبهم غير قادرين على مواكبة هذه الزيادة في الاسعار”.

تخبط اقتصادي كبير

بدوره، يفيد الخبير المالي والاقتصادي د. صفوان قصي لـ”طريق الشعب” بان “البنك المركزي ووزارة المالية مع ديوان الرقابة المالية إضافة الى وزارة التجارة، يقع على عاتقهم مسؤولية مراقبة اسعار السوق والسيطرة على تذبذب سعر صرف الدولار”.

ويقول، ان البلاد “تعاني من تخبط اقتصادي كبير من ناحية إدخال البضائع بطرق غير رسمية والتهرب من دفع الضرائب والتعامل في الاستيراد مع دول غير رصينة، وعليها مجموعة من العقوبات الدولية، الأمر الذي وضع العراق في قائمة عدم الشفافية للتعامل مع الدولار، من قبل المجتمع الدولي”.