على غرار الكليات التي تخرّج سنويا آلاف الطلبة وترمي بهم إلى البطالة، أصبحت التخصصات الهندسية تقوم بالمهمة ذاتها وتضيف معاناة جديدة إلى نظام التعليم الذي يشكو سوء التخطيط، بينما كانت كليات الهندسة ذات قيمة عالية ومحط أنظار الطلبة، لكنها أضحت الآن جزءاً من آلة انتاج العاطلين، فهي تدفع بآلاف المهندسين خارج أسوارها دون أي بيئة تستقطبهم بسبب الشلل الاقتصادي التام.

وتكشف الأرقام عن وجود عدد هائل جدا من المهندسين العاطلين أو المعطلين، ما دعا إلى إعادة النظر في تخريج هذا الكم الهائل منهم من الكليات الحكومية، أو الأهلية التي تواجه اتهامات بغياب المقومات والمعايير الهندسية الرصينة.

سياسات فاشلة

يقول أمين سرّ جمعية المهندسين عبد اللطيف أمين، أن الدولة تتحمل الزيادة الهائلة بعدد المهندسين وهي تتمثل بـ»وزارتي التخطيط والتعليم وغيرهما من الوزارات المعنية بهذا الأمر، لأنها تخرّج أعدادا كبيرة من المهندسين، ولا توجد أي تنمية اقتصادية أو صناعية».

ويصف أمين، خلال حديثه مع «طريق الشعب»، السياسات الحكومية المتعاقبة بـ»غير السلمية»، ويبيّن أن «القطاع الخاص مهمل رغم أهميته. الكثير من دول العالم تعتمد على القطاع الخاص لتنمية اقتصادها، ولكنه يواجه عراقيل كثيرة في العراق، فضلا عن هشاشة ورداءة الأداء في القطاع العام»، مضيفا أن «المنافسة الأجنبية زادت من الأضرار وجعلت الاقتصاد الوطني يتفرج على ما تفعله البضائع الأجنبية بالسوق المحلية العاجزة».

ويحمّل أمين سرّ جمعية المهندسين، نظام المحاصصة والفساد «مسؤولية هذا الخلل الكبير وتضخم أعداد المهندسين دون جدوى تذكر. حيث دمرت حكومات المحاصصة الصناعة وقضت عليها كما هو الحال مع الاقتصاد الوطني بشكل عام»، مردفا أن «القوى الحاكمة منشغلة بالسرقات ونهب ثروات البلاد ولا يعنيها هذا الأمر الذي نتحدث عنه».

وبشأن الرقم المتداول في وسائل التواصل الاجتماعي والذي يفيد بوجود 40 ألف مهندس عاطل عن العمل، يقول أمين أنه غير دقيق فهناك «أعداد هائلة من المهندسين العاطلين لكنهم غير مسجلين لدى النقابة».

وقبل عام، كشف وزير الإسكان السابق بنكين ريكاني، عن رقم صادم لعدد المهندسين.

وقال ريكاني في تغريدة عبر موقع «تويتر»، إن «أكثر من ٣٧٠٠٠٠ مهندس يوجد في العراق، والمعينون منهم في الدولة حوالي ٣٠٠٠٠ فقط. والجامعات تُخَرّج كل سنة حوالي ١٢٠٠٠!». وتساءل «أين سيتم استيعاب هؤلاء؟ فهذا الأمر هو جزء من السير إلى المجهول والضياع».

حوالي ربع مليون مهندس!

وقبل أيام قليلة، كشفت نقابة المهندسين عن نسبة بطالة كبيرة بصفوف المهندسين في البلد، فيما وجهت دعوة لرفع معدلات القبول في الأقسام الهندسية بالدراسة المسائية والجامعات الأهلية.

وقال ذو الفقار المكصوصي نقيب المهندسين، إن «عدد المهندسين المعطلين عن العمل أكثر من 200 ألف مهندس والحقيقي أكثر بكثير من هذا العدد، لأن هناك أكثر من 150 ألفاً غير منتمين إلى النقابة, والمعطل عن العمل هو الشخص الذي لديه الجاهزية الكاملة للعمل، لكنه غير متاح».

وأضاف، «ناشدنا وطالبنا وزارتي التخطيط والتعليم بالتنسيق وتشكيل فريق عمل واحد بشأن فتح الأقسام الهندسية في كليات الهندسة بالجامعات الأهلية والمسائي الحكومي، وأن هنالك استجابة». لكن مختصين ومعنيين بهذا الشأن يرون أن القضية تتعلق بالأساس في عملية التخطيط وليست المعدلات سواء كانت عالية جدا أم منخفضة.

ويقول المهندس أصيل الحبيب، إن الجهات الحكومية لا تتوفر لديها دراسة حقيقية حول حاجة سوق العمل، فمخرجات الجامعات لا تتناسب مع الحاجة الفعلية لهذه السوق، وهذا ما أخذ ينعكس على جميع الخريجين وليس المهندسين فقط.

ويشير الحبيب خلال حديثه مع «طريق الشعب»، إلى «وجود ما يقارب 200 ألف مهندس معطل عن العمل إضافة إلى 150 / 170 ألف مهندس غير مسجل لدى النقابة، وهذه أعداد هائلة لا تعير لها الدولة أية أهمية بسبب الفساد وسيطرة العصابات على جميع مفاصل الدولة وانشغالها بالسرقات والنهب والتدمير».

ودعا المتحدث إلى «الحدث من تخريج المهندسين من الجامعات الأهلية بشكل كبير كما هو موجود، خصوصا وأن الكثير منها يعود إلى كبار الفاسدين الذين يستثمرون أموالهم بهذه الجامعات ويضرون بها التعليم العالي»، مبينا أن «غياب الاستثمار والمشاريع الاستثمارية عمّق هذه المشكلة وان توفرت هذه المشاريع فستكون مثل مشاريع المدارس الصينية التي أبرمت بصفقات باهظة وحولت إلى مقاولين ثانويين للأسف الشديد».

وشدد على أن «قانون حماية المهندس معطل من عدة دورات نيابية وأن ونقابة المهندسين ليست جهة تشريعية أو تنفيذية وغير مدعومة لكنها قادرة على المساعدة في إيجاد حل لهذه المشكلة لو توفرت الإرادة لدى الدولة»، آملا أن تواصل دورة نقابة المهندسين الحالية نشاطها من أجل «حلّ مشاكل المهندسين».

عرض مقالات: