يعد القطاع الصحي واحدً من اهم المفاصل الدولة، إذ توليه الحكومات اهتماما شديدا، وتعمل على تطويره بشكل مستمر، كونه يتعلق بحياة المواطنين، كما أنها تعمل على توفير رعاية صحية متكاملة للجميع. وعلى الرغم من ان القطاع الصحي في البلاد متهالك ومتخلف على مستويات عديدة، والغاية واضحة وهي تعزيز اقتصاديات الفاسدين والمتنفذين أصحاب المشاريع في هذا القطاع والذين لم يسلم من براثنهم شيء.

ملف المختبرات الاهلية

وبرزت الى العلن قضية شغلت الرأي العام، بينما لم تدل وزارة الصحة بأي تصريح أو توضيح إزاء تلك القضية؛ حيث فتح الإعلامي عزيز الربيعي مقدم برنامج “ قيل وقال” ، ملف مختبرات الفحص الشامل ومراكز التجميل غير المجازة، والتي تسببت بأخطاء عملية وطبية في الآونة الأخيرة. كما أنه سلّط الضوء على خفايا صادمة.

كشف المستور 

وقال الربيعي في حديث خص به “طريق الشعب”، انهم قرروا “قبل شهرين اعداد حلقة تخص المختبرات الطبية، خصوصاً بعد الضجة التي حدثت بخصوص نتائج التحليل الخاصة بفايروس كورونا والمعلومات التي تداولها الناس عن ان النتائج غير دقيقة، وان هناك مختبرات تقدم نتائج فحص من دون تحليل، لذا قررنا أن نتناول في الحلقة المختبرات الطبية في بغداد والمحافظات ومراكز التجميل غير المرخصة والتي يدير غالبيتها أطباء اسنان”.

وأضاف، أنه “تواصل مع الكثير من الناس ومع ضحايا، كما استطلعنا رأي الشارع وجمعنا وثائق في ذات الوقت كما هو المعتاد بكل ملف. وهذه الوثائق اكدت ان هناك عيادات طب اسنان ومختبرات غير مرخصة”، لافتا الى ان “واحدة من الوثائق التي عرضت في الحلقة تفيد بان عيادة طب اسنان مفتوحة في قطعة دلالية بمنطقة المنصور، وهذا دليل على ان هناك من يستثمر بحياة الناس لأجل مصالح شخصية”.

وأوضح ان “هذه الوثيقة صادرة عن نقابة أطباء الاسنان، وتواصلنا مع النقابة وتأكدنا من صحتها، وأشارت الوثيقة الى وجود اشخاص سوريين لا يحملون رخصا، لكنهم يمارسون عملية معالجة المرضى العراقيين في بغداد، ونحتفظ بفيديوهات للجولات التفتيشية للأجهزة الأمنية ونقابة أطباء الاسنان تؤكد كلامنا، ولم نعرضها حفاظا على سمعة المختبرات، والنساء الموجودات والعاملات والعاملين فيها”.

وبيّن الربيعي، انهم قرروا اجراء تجربة: “سألنا أناسا متخصصين بالموضوع بشأن اننا سنبعث بشاي اخضر (نوع تيباك) يصعب ان تنفذ منه ذرات او اوساخ الى الماء المعقم. وبعد اكمال العينة، سلمنا قنينة الفحص الى مختبر معروف في بغداد. وبعد ساعة أبلغنا الموظف بان المريض لديه رمل، ولا يوجد شيء خطير، وعليه شرب الماء والمشي”.

النفوذ السياسي 

ولفت الربيعي الى انه أرسل النتيجة الى أحد الأشخاص المتخصصين في المختبرات بأمراض الدم “والذي كشف تحليله عن وجود جراحة. نحن نعرف ان الجهاز لا يفرق بين ادرار او شاي، لكن الصادم ان النتيجة كانت ان هناك رملا وجراحة”.

وتابع قائلا: ان “هذا الموضوع اثار امتعاض أصحاب المختبرات، وحدث هجوم على البرنامج. نحن أردنا إيصال رسالة بان هناك عدم دقة في النتائج التي تعطى للمواطن، وعدم دقة بالتشخيص على أساس هذه النتائج من قبل الأطباء. ووصلتنا معلومات صادمة عن ان هناك مختبرا في الرصافة، لا يمتلك إجازة، وان العاملين فيه ليسوا متخصصين”.

وذكر الربيعي في حديثه لـ”طريق الشعب”، ان “بعض المختبرات المدعومة بنفوذ سياسي وعشائري في بغداد، لم يقدر أحد على غلقها، وإذا توجهت قوة لإغلاقها فستخرج ألف جهة للدفاع عن هذا المختبر”.

وتوجه الربيعي، بحسب قوله، بسؤال الى الجهات الرقابية حول عدم اغلاقهم هذه المراكز المرصودة حتى، فاجابوا “اننا سنواجه اتصالات من عشائر وجهات متنفذة في بغداد وسياسيين يتدخلون لمنع اغلاق المركز”.

ما هو موقف وزارة الصحة؟

وتطرق الربيعي أيضا الى مراكز التجميل غير المرخصة، وقال انه عرض في حلقته “وثيقة تدل على ان أحد الأشخاص يجري عمليات في البصرة وهو لا يمتلك رخصة طبيب او إجازة تدل على اختصاصه في نقابة الأطباء. وفي بغداد يجري عمليات أيضا”.

تجدر الإشارة الى انه وبعد عرض الحلقة اكتشفوا ان هذا الشخص مطرود من إقليم كردستان بعد ان اكتشفته سلطات الإقليم ووزارة صحة الإقليم ومنع من دخول الإقليم، وكان قد اجرى عمليات تجميلية في الإقليم قبل ان يكتشف أمره، ويتجه الى البصرة. وبعد تقديم شكاوى ضده أصدرت نقابة اطباء البصرة قرارا بوقفه عن العمل، وأغلقت عيادته غير المرخصة.

وأكد الربيعي انه لا يستهدف مختبرا معينا او طبيبا، “والدليل اننا أخفينا كل الملامح التي تدل على المختبر الذي راجعناه وفقط أردنا ذكر حالة، ولكن المهم هو كيف تعالج هذا الموقف. ويبدو ان وزارة الصحة غير متحمسة لمتابعة مثل هكذا مواضيع. وبالنسبة للنقابات فهي تعمل وتواجه تحديات كبيرة في مواجهة هؤلاء”.

واكد ان كادر البرنامج الذي بث الحلقة ، طلبوا من وزارة الصحة ان ترسل ممثلا عنها لاستضافته في البرنامج، لكن ممثلها ظل يتملص ويتعذر عن الحضور، حتى صار لا يجيب على الاتصالات المتكررة بهاتفه، منوها الى ان “هذه ليست المرة الأولى التي تتهرب فيها الوزارة من الادلاء بتصريح يتعلق بخلل في احد المفاصل التابعة لها. وبالتالي بثت الحلقة منقوصة دون وجود ممثل عن وزارة الصحة، انما اعتمدنا على حضور ممثلين عن نقابتي الاطباء وأطباء الاسنان في بغداد”.

غير مرخصة! 

وبيّن الربيعي ان هناك “ظاهرة في المجتمع العراقي، وأقصد بها الفضاءات غير القانونية: في كل فضاء يوجد مجال غير قانوني تعتمده الناس بسبب ضعف تطبيق القانون، وعدم حماسة الجهات التنفيذية لتطبيق القانون. وبسبب استشراء الفساد في مؤسسات الدولة وسلطة السلاح على بعض القرارات في الدوائر الحكومية”. 

وفي ختام حديثه، دعا الربيعي الى ان تكون هناك غرفة عمليات تشكلها وزارة الصحة بالاشتراك مع الأجهزة الأمنية والنقابات لمتابعة قصة تتعلق بحياة الناس، ويكون هناك جرد كامل لكل هذه المراكز والمختبرات وتوعية أكبر للمواطن الذي يتحمل جزءا من المسؤولية، وينبغي ان يدقق ويستفسر عن إجازة المختبر الطبية”. 

ضحايا بعض المختبرات الأهلية

وذكرت المواطنة مريم حسن (اسم مستعار)، حادثتين تعرضت لهما عائلتها، نتيجة التحليل الخاطئ كان أولهما “قبل سنتين من الآن؛ حيث كان لدي مجموعة تحاليل يجب ان اجريها شهريا اثناء فترة حملي، وتوجهت لاحد المختبرات الأهلية والمعروفة في بغداد”.

وأضافت حسن “أجريت التحاليل وكان ثمنها باهضا جدا، وهذا ما عزز ثقتنا بها لأنها ليست رخيصة كما هو شائع، وكانت نتائج التحليل نظيفة وسليمة، ولكن في ما بعد ساءت حالتي الصحية. على أثر ذلك توجهت الى مختبر اخر، نصحني به أحد المقربين، وتبين أني اعاني من جرثومة في المعدة، وهذا ما ادى الى فقداني أحد الاجنة. كنت حبلى بتوأم”.

أما الحادثة الاخرى، فتقول مريم ان عائلتها كادت تفقد حياة جدتها “بسبب خطأ تحليلي”.

وتبين أن “جهاز السكر الخاص بها كان عاطلا، فذهبنا بها الى المختبر لإجراء الفحص، فكانت النتيجة ان السكر قد وصل الى 700، وزودنا المختبر بحقن الانسولين، وقال لنا أحدهم انها ستجعل السكر مستقرا. لكن بمجرد حقنها بنصف جرعة، تدهورت حالت جدتي بشكل غير طبيعي ومخيف، وبعد ذهابنا للمستشفى تبين أن السكر كان طبيعيا، وأن حقن الأنسولين تسببت بهبوط السكر، الامر الذي كاد يودي بحياتها”.

مختبرات بلا مهنية

وتعتمد أغلب المختبرات الأهلية على الطلبة في كليات التحليلات المرضية والصيدلة والطب وغيرها، في اجراء التحليلات للمرضى، والتي غالبا ما تفتقد الدقة في التشخيص، لكن تلك المختبرات تستعين بخدماتهم بسبب أجورهم الرخيصة وحتى المجانية، بحجة التعلم.

ويقول مصدر طبي، طلب عدم ذكر اسمه، لـ “طريق الشعب”، ان “الكثير من الأطباء وللأسف لديهم اتفاق مع المختبرات بغض النظر عن رصانة عمل المختبر”، معتبرا ان هؤلاء “تخلّوا عن مبادئهم المهنية”.

ويضيف المصدر الذي يعمل في احد المستشفيات الحكومية، أن هؤلاء الاطباء عادة ما يطلبوا من مراجعيهم إجراء عدد من التحليلات، التي هي في الغالب لا علاقة لها بما يعانيه، انما هدفها استنزاف أمواله في المختبرات التي لا يقبل ان بنتائجها.

ويتهم المصدر تلك المختبرات بأنها “تستخدم معدات مستهلكة مثل السلايد والتيوبات (قناني دم) وذلك لكونها رخيصة، علما انها غير مرخصة، بينما بعض المختبرات لا تجري أية فحوصات، انما تعتمد فقط على الاشرطة بالتحليل. في حين ان الشريط هو فحص اولي، ويليه فحص المكروسكوب. وحتى تلك الأشرطة يتم شراؤه اكسباير، فتكون نتائجها خطأ”.

وينصح المصدر باعتماد نتائج المختبرات الحكومية، لان نوعية موادها جيدة وتخضع للفحص عادة. كما انها تستخدم كونترالات وستاندالات يتم فحصها وهي خاضعة لجهاز السيطرة النوعية وهنالك تفتيش وكشف مستمر”.

ويشير الى ان شعب التحليلات تستقبل يوميا ما لا يقل عن 300 مراجع، لكنها تعتمد على جهاز واحد للتحليل، بينما هي تحتاج لثلاثة اجهزة على أقل تقدير، منبها الى انه بسبب فساد المتنفذين لم يجر الاهتمام بالمختبرات الحكومية في أغلب المستشفيات، كما أنها عادة ما تفتقد أبسط المواد المطلوبة في التحليل.

عرض مقالات: