في بلد خاض حروباً عديدة وعصفتْ به أزمات متلاحقة، خلفت الملايين من الضحايا الذين تركوا زوجاتهم وأطفالهم بدون معيل، وعلى الرغم من أن هناك مؤسسات رسمية وغيرها معنية بوضع النساء الأرامل، إلا أن ما قدمته وتقدمه من خدمات لا يلامس معاناة هؤلاء النسوة اللائي يعانين التهميش والاقصاء والاستغلال على صعد مختلفة.

وتم توثيق اليوم الدولي للأرامل من قبل الأمم المتحدة لمواجهة الفقر والظلم، اللذين يتعرض لهما الملايين من الارامل وعائلاتهن في العديد من البلدان في يوم 23 حزيران من كل عام.

وقالت مدير عام دائرة الحماية الاجتماعية للمرأة عطور حسين: ان دائرتها تعتني بالأرملة التي يكون زوجها كاسبا، والتي لا تمتلك موردا ماليا او إرثا او تقاعدا.

وهذه المؤسسة هي احدى دوائر هيئة الحماية الاجتماعية في وزارة العمل، والتي ترعى المرأة فاقدة المعيل سواء كانت مطلقة أم ارملة او يتيمة الأبوين وزوجات المحكومين والمفقودين.

وعن الخدمات المقدمة للرعايا أوضحت حسين لـ”طريق الشعب”، أنها تقدم “راتبا يكون الحد الأدنى فيه 325 ألفا، بعد تعديل السلّم حيث كان 225 ألف دينار قبل ذلك، بواقع راتب واحد عن كل 3 أشهر، وحاولنا ان نغيره ليصبح لكل شهرين راتب، لكن اليوم أصبح الراتب يمنح شهريا”.

ثغرات قانونية

وأردفت المتحدثة بان “راتب الرعاية لا يكفي لسد متطلبات الحياة في ظل الوضع الراهن، وفي القانون يتم شمل فقط 3 أطفال حتى لو كان لديها 10 أطفال. ومن المشاكل الأخرى التي تواجهها المرأة في ظل القانون هي أن الطفل عند بلوغه الـ 18 يتم إخراجه من قاعدة البيانات”.

وعن البرامج قالت حسين: “لدينا برامج متعددة تتعلق بتدريب الأرامل وتطوير قدراتهن، وهناك برامج للدعم النفسي، حيث نمتلك 19 قسما في العراق، وكل قسم يضم عددا كبيرا من المنافذ، وفي كل قسم هناك مسؤولة بحث ودعم نفسي، ولدينا حوالي 7600 حالة موثقة من النساء اللائي دعمتهن الدائرة نفسيا”.

وأضافت “نناشد المجتمع من خلال (طريق الشعب)، بان يأخذ دوره تجاه الارامل والنساء فاقدات المعيل، فالمرأة تجد نفسها وحيدة في ميدان الحياة، وهي تحتاج الى متطلبات تنهض بواقع اسرتها وواحدة منها هي اكمال دراستها، ونحن كدائرة نحمل شعار مفاده (لا نورث الجهل.. لا نورث الفقر). وأتمنى ان يقف الجميع مع هذه الشريحة”.

وعن أعداد الأرامل في العراق قالت “في قاعدتنا هنالك 435 ألف ارملة، لكن هناك شمول جديد واخريات يحذفن بعد ان يصبح لديهم مورد مادي”، مضيفة “ففي دفعة حزيران الماضي سجلنا 434,267 أرملة. وان 75 في المائة من الأرامل لديهن أطفال صغار”.

والى جانب تلك الإحصائية التي كشفت عنها مدير عام دائرة الحماية الاجتماعية للمرأة، فإن هناك ثلاثة أنواع من الأرامل لدى مؤسسة الشهداء، وهم: ضحايا النظام البائد، وضحايا الإرهاب وضحايا الحشد الشعبي. تقول المتحدثة أن هؤلاء “غير مسجلات لدينا”.

ابتزاز منظم لهن!

ونصحت عطور حسين كل أرملة تتعرض للاستغلال أو الابتزاز بالتوجه الى دائرتها وافادتها بأية معلومة عن ذلك، مردفة “للأسف هناك الكثير من الارامل لا يبلغن عن هذه الحالات، ربما بسبب الخوف من تهديد المبتزين بقطع الراتب؛ فالعمل على ابتزاز الارامل منظم، وهناك منظومة تعمل على ابتزازهن”، مؤكدة ان دائرتها تدافع عن الارامل “فقط دائرتنا هي ما تمتلك الحق بقطع الراتب في حال خالفت الضوابط، وليس المبتز، أو من يستغل حاجة الارامل”.

ووجهت حسين للأرملة العراقية كلمة بهذه المناسبة، قائلة: ان “الارملة تستحق منا كل الرعاية والاهتمام، لأنها في غفلة من الزمن أصبحت ابا واما وعلينا تعزيز ثقتها بنفسها، ودعمها، ولا نشعرها بانها وحيدة، ونكون حماية لها كمتجمع ودائرة حماية اجتماعية، لكي تنجح في دورها”.

الحكومة أهملتهن

من جهته، يجد الخبير الاقتصادي جليل اللامي أن “تردي الوضع الاقتصادي في العراق، والمشاكل التي يعاني منها البلد منذ جائحة كورونا، وصولا الى تغيير سعر الصرف ومن ثم ارتفاع أسعار المواد الغذائية، كل هذه اثرت على الوضع العام وبالتالي طال الضرر اغلب شرائح المجتمع، خصوصاً شريحة الارامل، فهي ربما الحلقة الأضعف من بين تلك الفئات”.

وزاد اللامي بالقول لـ “طريق الشعب”، انه “في ظل التحول الايجابي في اسعار النفط العالمية، منذ الربع الاخير من العام الماضي والى يومنا هذا، والذي أثر بشكل ايجابي على واردات الدولة، على الحكومة ان تنظر بجدية لهذه الشريحة، وبالأخص من ذوي الشهداء الذين ضحوا بأنفسهم من اجل العراق”.

واكد ان “الحكومة العراقية، اهملت هذه الشريحة التي تعاني من وضع اقتصادي متردٍ، يضاف الى ذلك عدم توفير فرص عمل، خاصة ونحن في العراق بصورة خاصة والمجتمع الشرقي بصورة عامة ليس لدينا مساواة في فرص العمل بين الرجال والنساء”.

وشدد على ضرورة ان “تقف الحكومة بشكل جدي امام هذه التغيرات من اجل تغيير الواقع الاقتصادي المتردي لشريحة الارامل، وانقاذها من الضياع والابتزاز الذي يتعرضن له في المؤسسات والدوائر الحكومية عند مراجعتهن للمطالبة بحقوقهن، ومعالجة معوقات دعم هذه الشريحة وباقي الشرائح في المجتمع من اجل ابعادهن عن التهميش وتلبية احتياجاتهن”.

مشاكل عديدة

الى ذلك، قالت سكرتيرة رابطة المرأة العراقية شميران مروكل: ان “عدد الارامل يقدر بأكثر من 4 او 5 ملايين ارملة خلال العقود التي مر بها العراق، اثناء الحروب الدكتاتورية ومن بعدها الحصار، وأرامل ضحايا الاعدامات والمجازر التي تعرض لها العراقيون بسبب الانتماء السياسي وبسبب القومية والطائفية”، موضحة انه “في بغداد كانت الاحصائيات قبل فترة قصيرة بحدود 350 الى 400 ألف امرأة ارملة”.

وعن هذه الشريحة الواسعة بينت مروكل لـ “طريق الشعب”، ان “اغلبهن يعملن معيلات لعوائلهن، وأغلب هؤلاء المعيلات ليس لديهن وظيفة او مصدر رزق، وبالتالي نحن كمنظمة طالبنا في الكثير من التصريحات واللقاءات مع وزارة العمل والشؤون الاجتماعية وعدد من المسؤولين بتوفير فرص عمل لهذه الشريحة من النساء”، منوهة الى ان الراتب الذي يعطى للأرملة “لا يشمل جميع اولادها وانما الاطفال الـ 3 وهذا رقم قليل، بسبب ان اغلب الارامل لديهن اكثر من 3 اطفال، وحتى المبلغ قليل جدا، ولا يسد متطلبات العائلة، والكثير من الارامل هن شابات ولديهن مشاكل نفسية وصحية وحتى اجتماعية واقتصادية، بينما المؤسسات الحكومية غير مهتمة بهذا الجانب”.

وقالت مروكل: ان الارامل “يتعرضن الى العنف المنزلي الاسري لأنهن فئة مهمشة، والامكانيات التعليمية لدى أغلبهن غير كافية، حتى يتمكنّ من المدافعة عن أنفسهن او حتى يطالبن بحقوقهن”، مؤكدة ان “الكثير من العوائل اساسهم الاقتصادي ضعيف، وغير متمكنين وغير قادرين على توفير حياة كريمة لابنتهم الارملة وأولادها، فتتعرض الى الكثير من المشاكل الاجتماعية والنفسية وتكون مضطهدة، لأنها غير قادرة على معالجة وضعها”.

الأرملة.. ضحية

وفي سياق متصل، قالت الناشطة في مجال حقوق المرأة سارة جاسم، ان فقدان شريك الحياة خسارة مدمرة، وما يزيد حجم تلك الخسارة هو كفاحها الطويل لتأمين الاحتياجات الأساسية لها ولأطفالها، ان كان لديها اطفال وحماية حقوقها الإنسانية وكرامتها.

 وذكرت جاسم في حديثه خصّت به “طريق الشعب”، انه “للأسف لا توجد هناك إحصائية دقيقة لعدد الارامل في العراق، لكن ذكرت منظمة هيومان رايتس ووتش في تقارير عديدة لها، أن كثيرات من نساء العراق فقدن أزواجهن أو آباءهن بسبب الاعتقالات والتغييب القسري والإعدامات والاغتيالات والعنف الطائفي، ومن قبلها حرب الثماني سنوات مع إيران وحربا الخليج، حتى بلغ عدد الأرامل العراقيات، وبحسب سجلات حكومية لعام 2021 ثمانية ملايين أرملة، بما يشكل 65% من عدد نساء العراق، و 35% منهن في أعمار تتراوح بين 20 - 40 عاماً، رغم تشكيك وزارة التخطيط في تلك الأرقام”.

وتابعت قائلة، إن حجم المعاناة لهذه النساء “يفوق الخيال فهي تواجه عقبات اقتصادية وظروفا معيشية صعبة وكذلك اجتماعية، فالكثير ينظر للمرأة على أنها كائن يحتاج إلى وصاية، ولا يمكن أن تعيش بدون رجل، ما اجبر عددا منهن على الزواج من قبل اخ زوجها الراحل، بالتهديد بأطفالها بسبب الميراث وغيرها حتى أن بعضهم أصبح مجرد زواج شكلي، لتبقى تحت وصاية اهل زوجها”.

ولفتت الى أن “بعضهن حرمن من أطفالهن بسبب التسويات العشائرية، وأخريات تم استغلالهن من ضعاف النفوس فيما يسمى زواج المتعة بحجة سد الحاجة المعيشية، والعيش مهمشة وإنها سلعة مستهلكة لا يمكن أن تعيش عيشة طبيعية، كذلك بعضهن يتعرضن للابتزاز على يد بعض الموظفين واصحاب المناصب، ومن يملكون السلطة عند مراجعاتهن لدوائر الدولة لغرض معاملة الراتب وغيرها”.

وبيّنت أنّ العنف الذي يتعرضن له هو “من أبشع أنواع العنف الذي يطال هذه الفئة التي تكون مهشمة من الأساس، كونها أرملة في مجتمع ينظر اليها كفريسة سهلة”، مؤكدة ان هناك حاجة

لـ”نهضة قوية بالقوانين والمنح التي تستهدفهن وتعطيهن مكانة اجتماعية عليا وامتيازات لتغير من نظرة المجتمع اليهن”.

عرض مقالات: