زاد الغاء مشروع قانون الدعم الطارئ للأمن الغذائي والتنمية، المشهد السياسي تعقيدا وانسدادا، وأثار تساؤلات عن مصير المبادرات التي طرحت مؤخرا من الكتل المتنفذة حصل هذا بعد أن قررت المحكمة الاتحادية عدم مشروعية قيام حكومة الحالية بتقديم مشروع قوانين إلى مجلس النواب. 

فيما طرح عدد من المتخصصين في الشأنين الاقتصادي والسياسي بدائل أخرى عن القانون الملغى، وقال أنه منع هدر محتملا.

قرارات المحكمة الاتحادية

وقضت المحكمة الاتحادية العليا في العراق، الأحد الماضي، بعدم دستورية مشروع قانون الدعم الطارئ للأمن الغذائي والتنمية، الذي قدمته الحكومة إلى البرلمان لأجل تمريره، لتغطية جوانب ترى الحكومة اهميتها وضرورتها الانية؛ ويخصص مشروع القانون أكثر من 35 تريليون دينار عراقي (24.1 مليار دولار)، يمكن من خلالها أن تسيّر الحكومة أعمالها.

وجاء في رد المحكمة الاتحادية أن “حكومة تصريف الأعمال هي الحكومة المتحولة من حكومة بكامل الصلاحيات إلى حكومة محدودة الصلاحيات، بحكم الحكومة المستقيلة، وهي المستثناة من الأصل، ولها رخصة التصرف في كل ما يندرج تحت مقتضيات ديمومة الدولة واستمراريتها”. وان “مجلس الوزراء يعد مستقيلا ويواصل تصريف الأمور اليومية، التي تضمن اتخاذ القرارات والإجراءات التي من شأنها استمرار عمل سير المرافق العامة بالنظام بديمومة الدستور، واستمرار تقديم الخدمات للشعب”. مع التشديد على ان “هذا لا يدخل ضمن القرارات التي تنطوي على أسباب ودوافع سياسية، ذات تأثير كبير على مستقبل العراق السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ولا يدخل كذلك ضمنها اقتراح مشاريع القوانين وعقد القروض أو التعيين في المناصب العليا للدولة والأعضاء منها، أو إعادة هيكلة الوزارات والدوائر”.

الكاظمي يدعو للتصدي للمسؤولية

وعلّق رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي على قرار المحكمة الاتحادية قائلا: ان عدم تحقيق قانون الأمن الغذائي، يعرقل دور الحكومة العراقية في تسيير الأمور اليومية لتوفير متطلبات الشعب، داعيا “الجميع إلى التصدي للمسؤولية، من أجل معالجة الآثار المترتبة على التحديات التي تواجه البلاد في ظل الظروف الحساسة الحالية على المستويين الداخلي والعالمي”.

فيما ذكرت وزارة المالية ان القرار الصادر عن المحكمة الاتحادية العليا فيما يتعلق بصلاحيات الحكومة الحالية، له تداعيات مهمة على عمل وزارة المالية، وان هذا يمنع هذه الحكومة من اقتراح أي قانون موازنة لعام 2022.

أزمة عالمية

وقال الخبير الاقتصادي صالح الهماشي إنّ “العراق جزء من عالم يتوقع أزمة غذائية عالمية تلوح في الافق على المدى القريب، خصوصا في الأعوام من 2027 وحتى العام 2030، ومثل هذه الازمة لا يحتاط لها المواطن بل هي مسؤولية الدولة، لذلك لجأت دول العالم الى اخذ احتياطات لمواجهة هذه الازمة، لغرض تأمين الغذاء”.

وبحسب حديث الهماشي الذي خصّ به “طريق الشعب”، فان “تركيا لجأت الى وضع قانون امن غذائي يقضي باستصلاح 3 مليون دونم على مدى خمس سنوات لتحقيق اكتفاء ذاتي في محصول الحنطة والشعير، وايضا السعودية وضعت ضمن قانون الامن الغذائي خطة لاستحصال اراض زراعية خارج حدودها، وحاولت ان تتعاقد أيضا مع العراق على 3 مليون دونم في بادية السماوة، وذات الحال بالنسبة الى الدول الاوربية لجات الى أمريكا الجنوبية للاستثمار الزراعي”.

وتابع قائلا “بالنسبة للعراق فان قانون الامن الغذائي يختلف مضمونه عن اسمه، فهو بواقع الحال يعتبر موازنة مصغرة، بينما قانون الامن الغذائي هو خطة لديمومة واستمرار المواد الغذائية او السلع الأساسية للبلاد والمواطن”.

وأضاف الخبير ان القانون خصص “9 تريليونات الى وزارة التجارة و3 تريليون الى وزارة المالية، و2 تريليون الى وزارة الزراعة لكن لم يضع خطط بصدد انفاقها، فالمفروض وضع الخطط ومن ثم تخصص لها الأموال، اما ان تخصص الأموال بدون خطة فهذه فوضى بحد ذاتها، لأنه لا يمكن وضع أموال لخطة غير موجودة، وهذه الخطوة الحكومية جعلت الأموال معرضة للهدر والفساد والتبديد”.

نمو سكاني متزايد

ونوّه الهماشي بأن “البلاد تحتاج الى نفقات، فميزانية العام 2021 لا تغطي ميزانية عام 2022، إذ ان هنالك نموا سكانيا وطلبا متزايدا على الخدمات، وهنالك ارتفاع في الأسعار العالمية، سواء ما يخص المواد الغذائية ام الخدمات وحتى المعادن. فعلى سبيل المثال الالمنيوم ارتفع سعره بنسبة 100 بالمائة، والنحاس بنسبة 60 بالمائة”.

وشدد على ضرورة أن “تضع الحكومة خطة لتوفير السلع الأساسية، مثل القمح، الشعير، الرز والسكر”، لافتا الى ان “العراق يمتلك أراضي في بنغلادش وسيرلانكا وتايلند والبرازيل وامريكا الجنوبية، تقدر بمئات الاف الهكتارات وهي متروكة”.

18 تريليون دينار

وعن بدائل هذا القانون، يطرح عضو مركز العراق للتحليل الاستراتيجي، جليل اللامي، وسائل عدة يمكن للحكومة اللجوء اليها.

ويقول اللامي ان أول هذه البدائل ان تلجأ الحكومة الى نظام التسليف، مثلما حصل في العام 2014 عندما لم تقر الموازنة، مبينا انه يتم “تسديد هذه السلف او تبويبها وإطفائها بعد إقرار الموازنة، وهو أفضل الحلول قياسا بقانون الامن الغذائي الذي تم طرحه”.

وتعقيبا على قرار المحكمة الاتحادية يجد اللامي انه “تم تعويض الخزينة العراقية بحدود 18 ترليون دينار، كان ممكنا ان تذهب هباء وتضيع بسبب الفساد المستشري في المؤسسات والدوائر الحكومية. ومن المؤكد ان العراق سيلجأ الى نظام التسليف من قبل وزارة المالية لتوفير احتياجات المواطن العراقي”.

يحتاج لحكومة بصلاحيات كاملة

وعن مشروع القانون، أكد جليل اللامي وهو ايضا خبير اقتصادي، ان قانون الامن الغذائي، من القوانين التي يجب ان تتعامل معها حكومة ذات صلاحيات كاملة غير منقوصة السيادة، ويكون تطبيق هذا القانون مراقبا من قبل الجهات المعنية بالمراقبة، مثل ديوان الرقابة المالية وغيره.

ويجادل اللامي بأن نظام التسليف “يمكّن وزارة الزراعة من سد أجور الفلاحين لصالح مستحقات الحنطة التي تشتريها منهم. كما أن وزارة التجارة ستتمكن من توفير مفردات البطاقة التموينية. بينما وفقا لقانون الامن الغذائي يجري تمويل حتى المشاريع المتوقفة”.

وعلّق رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي على قرار المحكمة الاتحادية قائلا: ان عدم تحقيق قانون الأمن الغذائي، يعرقل دور الحكومة العراقية في تسيير الأمور اليومية لتوفير متطلبات الشعب، داعيا “الجميع إلى التصدي للمسؤولية، من أجل معالجة الآثار المترتبة على التحديات التي تواجه البلاد في ظل الظروف الحساسة الحالية على المستويين الداخلي والعالمي”.

فيما ذكرت وزارة المالية ان القرار الصادر عن المحكمة الاتحادية العليا فيما يتعلق بصلاحيات الحكومة الحالية، له تداعيات مهمة على عمل وزارة المالية، وان هذا يمنع هذه الحكومة من اقتراح أي قانون موازنة لعام 2022.

خطاب الصدر

وكان زعيم التيار الصدري، السيد مقتدى الصدر، هاجم في خطاب وجهه للرأي العام، قد انتقد بشدة الإطار التنسيقي، مشيراً إلى أن السلطة أعمت الثلث المعطل عن معاناة الشعب.

وقال الصدر، “لم أستغرب قيد أنملة من الثلث المعطل وتعطيله لتشكيل حكومة الأغلبية”، مردفاً أن “المنتمين للثلث المعطل لا وجود لهم بلا سلطة لكن هل وصلت الوقاحة إلى درجة تعطيل القوانين التي تنفع الشعب”.

وأعرب الصدر عن أسفه لما ذكره آنفاً، وعما يعانيه “الشعب من فقر وخوف ونقص بالأموال والأنفس وتسلط الميليشيات والتبعية ومخاوف التطبيع والأوبئة والفساد الذي ملأ أرض العراق بالسرقات والخطف والقتل”.

وأضاف أن ذلك جعل “ساسة العراق مثلاً يحتذى به بالفساد والرذيلة إلا من ثلة قليلة اضمحل أثرها ولا زال يضمحل”.

“لن نعيد العراق للمحاصصة”

وفي كلمته، شدد زعيم التيار الصدري على أنهم لن يتحالفوا مع الثلث المعطل، حينما قال: “هل تظنون أن أفعالكم هذه ستجبرنا على التحالف معكم؟ كلا وألف كلا، فلن نعيد العراق لمربع المحاصصة والفساد والتوافق المقيت، وقد جثم التوافق على صدر العراق وشعبه سنوات طوال، قد حصد الأخضر واليابس، كما يعبّرون، وقد أضر وبكل وضوح لكل ذي نظر. فيا ترى إلى متى يبقى البعير على التل؟”.

وتساءل قائلاً “إلى متى يبقى الفساد والتوافق سيد الموقف والشعب يغلي ويعاني وما من مغيث...؟”.

وكان زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، قد أعلن أمس الأحد، عن تحوّلهم إلى المعارضة الوطنية، لمدة لا تقل عن 30 يوماً، بعد “ازدياد التكالب عليه من الداخل الخارج، وعلى فكرة حكومة أغلبية وطنية”.

المالكي: تحققت أربعة أهداف

من جهته، علّق رئيس ائتلاف دولة القانون، نوري المالكي، على قرار المحكمة عقب القاء زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر خطابه، قائلا: انه “حقق أربعة اهداف”.

 وقال المالكي، ان قرار المحكمة الاتحادية حقق اربعة اهداف مهمة، اولها انها “حكمت بعدم قانونية مشروع الأمن الغذائي”، وان “القرار حقق حماية للمال العام من التلاعب وذهاب الكثير منه لسيطرة الفاسدين”.

وأضاف ان القرار “حقق حماية للحكومة ومجلس النواب من الوقوع في شرك المخالفات القانونية والدستورية”.

الى جانب ذلك، رأى المالكي ان ابطال قانون الامن الغذائي، من شانه ايقاف “الممارسات غير القانونية في التعاقدات، والتعيينات، والعزل لكبار الموظفين، وان حكومة تسيير الأعمال ليس لها صلاحية أكثر من تمشية الأمور اليومية”.

عرض مقالات: