على مدى عقود، كانت حياة المرأة العراقية مؤطرة بأوضاع اقتصادية وقيود اجتماعية، جعلتها بعيدة عن الميادين السياسية وقضايا الوطن، لكن انتفاضة تشرين قلبت تلك المعادلة، ولعبت النساء فيها دورا نشطا في السعي لتشكيل مستقبلهن.

مشاركة فاعلة

 

تقول الباحثة في الشأن السياسي نور الهدى سعد، إن العراق شهد بعد عملية التحول الديمقراطي “الكثير من الحركات الاحتجاجية، لكن المشاركة النسائية كانت قليلة فيها او متذبذبة، خلافا لانتفاضة تشرين”.

وتوضح سعد خلال حديثها لـ”طريق الشعب”، إن ساحات الاحتجاج خلال فترات الانتفاضة “شهدت وجودا كميا ونوعيا للنساء، بغض النظر عن الانتماء السياسي والاجتماعي. كذلك لم تقتصر المشاركة على فئة معينة منهن؛ فالمشاركة المتنوعة للنساء في الاحتجاجات اعطت قوة اضافية للانتفاضة، واكدت ان النساء يملكن الوعي السياسي ويساهمن من أجل التغيير، وهذا ما جعلهن في مواجهة الاختطاف والقتل والترهيب والتسقيط”، لافتة إلى أن “ثمة نساء لم يتمكن من الحضور الى ساحات الاحتجاج، لكنهن قدمن الدعم المعنوي واللوجستي من مساكنهن، بالإضافة إلى أن العاملات في القطاع الصحي قدمن الكثير من العلاجات والاسعافات للمصابين، حيث تركت بعضهن وظيفتها بشكل مؤقت”. 

وتلفت المتحدثة إلى أن “مشاركة النساء في الانتفاضة وفرت قناعة لدى الجميع بأن النساء لهن قدرة على المشاركة في الحياة السياسية، حيث رشح العديد منهن للانتخابات المزمع عقدها في تشرين المقبل. كما انتجت الانتفاضة نخبة نسوية لها القدرة على التأثير والمشاركة في العملية السياسية، عكس السابق بعدما كانت النساء تعاني من الافتقار الى المشاركة بالحياة السياسية”.

وزادت، أن النساء تعرضن الى نفس الضغوطات التي واجهها الرجال؛ فالكثير منهن تعرضن لمحاولات اغتيال او خطف او تشويه سمعتهن، فضلاً عن تعرضهن لمحاولات تحرش من قبل مندسين. كذلك واجهت بعض النساء الموظفات اللواتي شاركن في الانتفاضة، خطر الانفصال من العمل”.

 

دور فاعل للفتيات والطالبات 

من جانبها، تقول الناشطة في الاحتجاجات، ضي مضر، أن عددا كبيرا من النساء ترددن في الخروج الى التظاهرات، لكن بعدما شاركت الفتيات في الحركة الطلابية، تحفزن وخرجن بدون خوف او تردد. 

وتبيّن مضر لـ”طريق الشعب”، أن النساء أو الفتيات “امتلكن شجاعة تجاوزت شجاعة الكبار في السن، ودفعن الأخريات للمشاركة لأنهن واجهن القمع الشرس وأظهرن صلابة لا مثيل لها”، مضيفة أن “الدور النسوي في دعم مطالب المنتفضين، كان كبيرا في اطار تطور المطالب والانتفاضة وسلميتها”. 

وتشير الى أنه بعد توحد “المطالب الاساسية لعبت النساء أدوارا مهمة جدا، ودعمن الشعارات التي طالبت بالتغيير أو الإصلاح. ولهذا فإن مشاركتهن كانت نوعية وساهمت في ايجاد تغييرات مهمة مثل تعزيز سلمية التظاهر واستمراريتها وتغيير جزء لا يستهان به من النظرة النمطية للمجتمع للنساء وانخفاض نسب التحرش”.

 

الأهالي يزجون ببناتهم في الاحتجاجات 

وفي السياق، تتحدث صبا عودة، ناشطة مدنية، عن دور النساء في استمرار الانتفاضة والحفاظ على زخمها لأشهر طويلة.  

وتلفت عودة في حديثها لـ”طريق الشعب”، إلى أن مشاركة النساء في الانتفاضة “أعطت طابعا مدنيا جميلا للاحتجاجات، وجعلت الاهالي يتفاعلون بعدما شاهدوا بناتهم في الساحات محط اعتزاز وتقدير كبيرين. فبنات الجامعات والموظفات والنساء الكبار والامهات أدّين أدوارا كثيرة، وهذا ما شجّع بقية العائلات التي كانت لا تزج ببناتها في مثل هذه الأماكن المكتظة على أن يحضروا معهن للمشاركة الاحتجاجية”.  

وبالإضافة إلى ذلك، تقول عودة إن المشاركة النسوية “اعطت طابعا ايجابيا أمام الرأي العام وبقية الدول. كان لدينا اصدقاء من دول أخرى يعيبون علينا عدم فاعلية النساء العراقيات في الاحتجاجات أو الانشطة الاجتماعية، لكن الأمور تغيرت حاليا لأن المشاركة كسرت النمط التقليدي باقتصار دور النساء على الطبخ والتنظيف، بعد ان أخذن أدوارا عظيمة ومهمة. كانت هناك نساء يقفن بخط الصد لمعالجة الشباب المصابين والمختنقين. لم نكن نتخيل اننا سنرى ذلك”. 

وحتى في عالم الوظيفة المدنية، لم تكن النساء تهتم بالسياسة، بينما الآن هناك موظفات يهتمن بذلك، وفيهن من تقدمن للمنافسة الانتخابية للوصول إلى مركز صناعة القرار، فضلا عن مشاركة غيرهن في النشاط المدني والسياسي والتطوعي. كل هذه ايجابيات حققتها الانتفاضة وتدعو إلى الفخر. 

وتوضح الناشطة أن “بعض الأحزاب أو الجهات السياسية التي كانت لا تعطي للمرأة دورا حقيقيا أصبحت الآن “تكلف اعضاءها من النساء بمهام تضعها في الواجهة، مثل المكاتب الإعلامية وغيرها. والحقيقة أن ذلك هو مجاراة للتطور الذي فرضته الانتفاضة بخصوص الوضع النسائي في البلاد”.