تبرر العديد من ظواهر الاعتداء والقتل التي تطال الكوادر الطبية، بأنها ردود فعل على وفاة أحد ذوي مرتكبيها في المستشفيات، والذين يتهمون الكوادر الطبية بالإهمال أو التقاعس في أداء واجبهم. فيما يرى الطرف الثاني (الكوادر الطبية) أن غياب القانون الرادع لممارسات كهذه تغذي تنامي الظاهرة التي يعني استمرارها تناقص أعداد الكوادر الطبية، في بلد يعاني أزمات كثيرة في القطاع الصحي.

ولم تعلن الجهات الرسمية، حتى الان، عن الأعداد الرسمية لهذه الاعتداءات خلال العام الحالي 2021، بينما تتفاقم إحصائيات العنف ضد الأطباء بشكل مطّرد مع ارتفاع تفشي جائحة كورونا التي أثقلت المستشفيات، التي تعاني أصلاً نقصا في المستلزمات العلاجية.

 

نقيب الاطباء

نقيب الأطباء الدكتور جمال العزاوي، أشّر أسباباً عدة أدّت الى استفحال ظاهرة الأعداء على الكوادر الطبية، أبرزها يكمن في “ضعف النظام الصحي في البلاد بصورة عامة”. لكن ضحية ذلك سيكون المواطن الذي قد لا يجد رعاية صحية مناسبة في المؤسسات الحكومية.

وقال العزاوي، إنّ قانون حماية الأطباء “معطل” منذ سنوات، لافتا الى ان الكثير من الأطباء يواجهون “دكات عشائرية” على الرغم من تجريم هذا السلوك على وفق المادة 4 إرهاب.

ودفع تكرار تعرّض الأطباء إلى العنف، الكثير منهم إلى الهجرة إلى خارج البلاد، رغم الحاجة إلى خدماتهم واختصاصهم، ما اضطر المشرع العراقي إلى سنّ قانون حماية الأطباء رقم 26 لسنة 2013، إذ أكّدت المادة الأولى منه على حماية الأطباء من الاعتداء والمطالبات والملاحقات العشائرية وابتزازهم بنتائج أعمالهم الطبية.

وحددت المادة الخامسة من القانون عقوبة كل من يدّعي مطالبة عشائرية أو غير قانونية ضدّ نتائج أعمال طبيب، بالحبس مدة لا تقل عن ثلاث سنوات، وبغرامة لا تقل عن عشرة ملايين دينار، ويعاقب كلّ من تعدّى على طبيب أثناء ممارسة مهنته أو تأدية واجبه، بالعقوبة المقرّة بقانون العقوبات العراقي، وهي الاعتداء على موظف. 

 

ضعف الرادع القانوني

ويجد العزاوي أن “الرادع القانوني الكفيل بحماية المواطنين بات ضعيفا، بصورة عامة، بعد العام 2003”، وبالتالي فإن العنف ضد شريحة الأطباء، يكون متوقعا في ظل ذلك. 

ونبّه الى أنّ بعض وسائل الاعلام كان لها دور سلبي في ترويج الظاهرة، عبر تسليط الضوء على جشع الأطباء، بطريقة مغرضة، وتسيء الى مهنة الطب، وهذا ما انعكس سلبا في نفوس المواطنين، جشعا وحقدا.

وزاد ان “هناك سماسرة يعملون على تشويه سمعة الأطباء في المراكز الحكومية، بهدف تشجيع المواطنين على التوجه الى المراكز الاهلية، تحقيقا للكسب المادي، لا اكثر”.

وبخصوص الإجراءات المطلوبة لحماية الأطباء، أكد العزاوي ضرورة “تفعيل قانون حماية الأطباء، ومعالجة التدخلات العشائرية، فضلا عن تعزيز الانضباط القانوني داخل المستشفيات، للحد من فوضى مرافقي المرضى”.

ويرى الدكتور فراس حسين، ان “المستشفيات والمراكز الصحية باتت بيئة غير امانة لعمل الكوادر الصحية بصورة عامة”.

وقال حسين في حديث لمراسل “طريق الشعب”، ان “التقصيرات الحكومية إزاء المنظومة الصحية بصورة عامة، يحمّل المواطنين مسؤوليتها للأطباء والكوادر الصحية، كونهم هم الفئات الأقرب اليهم في التعامل والاحتكاك اليومي”.

 

جشع بعض الاطباء

وتطرق الدكتور فراس الى جشع بعض الأطباء قائلا: “انها ظاهرة عكست سمعة سلبية على عامة الكوادر الطبية، وخلقت تصورا لدى المواطنين بأن عامة الأطباء يستغلون آلام المواطنين للكسب المادي، ما خلق نوعا من الغضب الداخلي لدى المواطنين، إزاء الكوادر الطبية”. 

ويتهم المتحدث السلطات الحكومية بتشجيع والدفع باتجاه خصخصة الطب، عبر اهمال القطاع العام، وتجاهل الرقابة على المستشفيات الأهلية.

ويقول الدكتور علي صاحب (جراح)، انه “بعد سقوط النظام اعتكف الكثير من الأطباء عن اجراء العمليات الجراحية، وبعضهم فضل الهجرة وتأسيس حياته خارج العراق، بسبب ضعف الرادع القانوني”.

ويقدر الدكتور صاحب في حديث لـ”طريق الشعب” ان “80 بالمائة من الأطباء يتعرضون وبشكل يومي الى مختلف أنواع التجاوزات اللفظية والتهديدات من قبل المراجعين، اثناء تأدية واجبهم”.

ويشير صاحب الى رقم آخر، قائلا ان “الطبيب في العراق يستقبل يوميا اكثر من 100 مريض، في حين تحرص دول العالم على لا يتجاوز عدد المرضى 20 مريضا يوما. وهذا ما يسبب ضغطا ليس بالقليل على الأطباء، وينعكس سلبا على المواطنين”.

ويضيف ان الناس تجهل تعرض الطبيب ـ هو الاخر ـ الى ضغوط كبيرة خاصة في جانب اعداد المرضى.

 

تهديدات عشائرية

أما الدكتورة ايمان شاكر (طبيبة اسنان)، فتلاحظ ان هناك مواطنين يستغلون انتماءاتهم الحزبية، في تهديد الأطباء واجبارهم على اتخاذ سياقات غير قانونية إزاء مرضاهم.

وتقول شاكر لـ”طريق الشعب”، ان الكثير من زملائها واجهوا “تهديدات عشائرية، بينما لم تكن الإجراءات القانونية كافية لردع ذلك”.

وشددت د. ايمان على ضرورة “الحد من التدخلات العشائرية عبر تعزيز الرادع القانوني، ومحاسبة الطبيب قانونيا حال تقصيره، إزاء المريض، وفق سياقات تحقيقية قانونية”.

وتقول الممرضة الجامعية ليلى صباح، ان “الاعتداءات المتكررة من ذوي المرضى، تؤثر سلباً في تقديم الخدمات العلاجية”. 

وتضيف صباح لـ”طريق الشعب”، أن “حالات الاعتداء تنامت مع تفشي جائحة كورونا وارتفاع الاصابات”، وأصبح الاعتداء “روتينا يتكرر بشكل يومي”.

وتزيد انهم يعملون حتى في أيام العطل والأعياد “من دون الحصول على أبسط حقوقنا. ومن ضمنها تشريع قانون نقابة التمريض”.

عرض مقالات: