اتسعت ظاهرة تعاطي المخدرات والمتاجرة فيها، خلال السنوات الماضية, لأسباب يعزوها قضاة ومتخصصون الى «تفشي البطالة والفقر والفساد في اغلب مفاصل الدولة»، داعين الى اتخاذ اجراءات عملية تسهم في محاربة هذه الظاهرة، وتنظيف القوات الامنية واجهزة الدولة ذات العلاقة من الفاسدين، من اجل تمكينهم من مواجهة هذا الوباء الخطر.

جهود غير كافية

وتعلن القوات الامنية، مراراً، عن اعتقال عدد من المتهمين بتجارة وتعاطي المخدرات. فيما شخصت بيانات الاجهزة الامنية «اشتراك النساء في عملية المتاجرة».

ويقول مصدر في مديرية مكافحة المخدرات في وزارة الداخلية ان «القوات الامنية تلاحق المتاجرين ومتعاطي المخدرات في مختلف المحافظات العراقية, لكن هذه الجهود غير كافية للقضاء على هذا الخطر الذي يفتك بالمجتمع», مشيرا الى ان «الفساد داخل الاجهزة الامنية والضغوطات من قبل المجاميع المسلحة المدعومة سياسيا، يجعل من عملية السيطرة على المخدرات، امر شبه مستحيل» حسب وجهة نظره.

صغار المتاجرين

ويضيف المصدر ـ الذي رفض كشف هويته ـ في حديث لـ»طريق الشعب», ان «اغلب الاعتقالات تطال صغار الموزعين، دون التمكن من الوصول الى رأس الهرم، بسبب الاغراءات التي يقدمها هؤلاء التجار الكبار الى الموزعين الصغار، من تكفل معيشة عوائلهم ومصاريف هؤلاء المعتقلين في السجون», منوها الى «وجود حالات تلاعب في اوراق التحقيق من قبل ضعاف النفوس في الاجهزة الامنية, يتم خلالها تحويل التهمة من متاجرة الى تعاطي، ما يتيح للمتهمين الحصول على احكام مخففة والافلات بجرائمهم».

ويكشف المصدر عن ان «تجارة المخدرات في العراق تطورت، واصبحت تصنع داخليا, مع عدم توقف خط تهريبها، عبر العراق، الى دول الخليج، فضلا عن وجود انواع متوفرة بسهولة يتم تصنيعها في داخل العراق، بعد ان تم تدريب عدد من الاشخاص على صناعتها».

تواطؤ كبير

وأيّد الخبير القانوني محسن كريم, كلام المتحدث السابق، حول وجود تواطؤ بين بعض ضعاف النفوس وعصابات المتاجرة في المخدرات بالقول: ان «هذه العملية تدار بالتعاون والتنسيق بين جهات عدة»، مبينا أن «مبلغ الرشوة لغرض تحويل التهمة من متاجرة الى تعاطي يصل الى حوالي 80 الف دولار، يتقاسمها هؤلاء في ما بينهم».

ويدعو كريم في حديث لـ “طريق الشعب”, «وزارة الداخلية وأجهزتها الامنية ووزارة المالية وهيئة النزاهة الى متابعة الثراء الفاحش لبعض العاملين في الاجهزة الامنية، في مجال مكافحة المخدرات», مشددا على «ضرورة تنظيف الاجهزة الامنية من الفاسدين وفسح المجال للكفاءات والخبرات بالعمل من دون ضغوط، وتوفير الحماية لهم ولعوائلهم من اجل تمكينهم من القضاء على هذه العصابات».

استفحال الظاهرة

وشخّص مجلس القضاء الاعلى، اسباب استفحال ظاهرة تعاطي المخدرات وانتشارها على نطاق واسع, معتقدا ان نسبة الادمان بين الشباب قد تصل الى 50 في المائة.

ويقول قاضي محكمة تحقيق المسيب نبيل الطائي، في بيان صادر عن مجلس القضاء الأعلى، طالعته «طريق الشعب»، إن «جرائم المخدرات لم تعد محصورة بالرجال، بل أصبحنا نلاحظ تورط النساء في تلك الجرائم. ولعل أهم أسباب انتشارها تتركز في زيادة الإنتاج العالمي للمخدرات».

البطالة ابرز الاسباب

ويضيف البيان، ان «سوء الاوضاع الاقتصادية ونسبة البطالة الكبيرة تؤدي الى اقدام الكثير من الاشخاص على تناول المواد المخدرة، ظنا منهم انها تنتشلهم من هذا الواقع المؤلم، كما ان هناك اسبابا كثيرة اخرى تتعلق بثقافة الشعوب واهداف تخريبية، تؤدي بالنتيجة الى تدمير الشعوب وتجعلها مغيبة عن كل معاني الانسانية».

وتابع أنه «لا توجد جهة معينة ومحددة بشكل دقيق، يمكن أن نسميها بأنها هي من تدعم المروجين لهذه التجارة القاتلة، والسبب في ذلك ليس لعدم وجود الجهة الداعمة، بل لكونها منظمة بشكل مخطط له من قبل المروجين، لغرض عدم الوقوع في مأزق».

ويشير القاضي إلى أن «الوضع غير المستقر وانتشار مواقع التواصل الاجتماعي غير المسيطر عليها هي أسباب ساهمت في انتشار المخدرات، لكنها ليست رئيسية، بل ان اهم الاسباب هي العوز المادي الناجم عن سوء الاوضاع الاقتصادية والشباب العاطل عن العمل».

ويؤكد الطائي أن «دور المنظمات المعنية بمتابعة ملف المخدرات في العراق, والجهود الرسمية من اجل القضاء على انتشارها, هو دون مستوى الطموح، كون اغلب المنظمات والجهات الحكومية تعول على مبدأ العقاب، وهذا المبدأ وحده غير كاف للقضاء على هذه الآفة الخطرة»، موضحا ان «نسبة الادمان قد تصل الى ٥٠ في المائة من الشباب، لكن هذا الامر غير مكتشف بشكل رسمي، حيث يتواجد الاشخاص الذين يعملون بالمخدرات، ويرجونها في جميع المناطق وليس في منطقة محددة لكن نستطيع ان نقول ان النسبة الاكبر وحوالي ٧٠ في المائة منها هي في الاحياء الفقيرة والمناطق التي تكثر فيها البطالة وغيرها من المشاكل الاجتماعية».

وينوه الى أن «قضاء المسيب شهد انتشاراً واسعا لتعاطي المخدرات من نوع الكريستال، أو ما يسمى علمياً بالمثيل امفيتامين، كما يوجد عدد كبير من المروجين لها والمتاجرين فيها»، موضحا أن «الاجهزة المختصة في متابعة دائمة لهم، الا ان امر السيطرة عليها صعب جدا لقلة الامكانيات لدى شعب شؤون المخدرات، وعدم وجود مبان مخصصة لها، فضلا عن قلة اعداد المنتسبين، وادواتهم التي يحتاجونها كالسيارات والامور اللوجستية المهمة، وبدورنا قمنا بمخاطبة مكتب وزير الداخلية للتدخل بهذا الخصوص وايجاد حلول حقيقية لدعم شؤون المخدرات».

ويؤشر القاضي «ارتفاع الخط البياني لدعاوى المخدرات، بشكل كبير حتى اصبحت هذه الدعاوى بحجم دعاوى المشاجرات أو ربما اكثر».

ثلثها يستهلك محليا

بدوره, أكد عضو لجنة الامن والدفاع النيابية عبد الخالق العزاوي، ان ثلث المخدرات التي تمر عبر العراق تذهب للاستهلاك المحلي.

ويقول العزاوي في حديث صحفي, ان «زراعة بعض انواع المخدرات رصدت في عقدي الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي في شمال العراق واختفت»، مبينا ان «القول بعدم وجود زراعة في العراق بشكل عام، لا يمكن حسمه».

ويرجح ان «تكون هناك زراعة ولكن غير مرصودة من قبل القوات الامنية، بالاضافة الى ان زراعتها ليست سهلة، انما تحتاج الى مجموعة ادوات وخبرات»، مؤكدا «عدم رصد اي تقرير رسمي عن وجود زراعة للمخدرات حاليا في البلاد».

ويقول العزاوي ان «العراق تحول في السنوات الاخيرة الى نقطة مهمة في حركة المخدرات بالشرق الاوسط بحكم موقعه»، لافتا الى ان «ثلث المخدرات التي تدخل الى اراضيه تذهب للتعاطي الداخلي».

ويحذر النائب من «الانتكاسة الاكبر التي يجب الانتباه لها وهي زيادة اعداد المتعاطين، التي ستؤدي الى عواقب وخيمة على المجتمع العراقي، الذي يعاني بالاساس من ازمات متعاقبة منذ عقود بسبب تداعيات الحروب والحصار والفقر والازمات الاقتصادية».

عرض مقالات: