في الرابع عشر من نيسان عام ١٩٤٨، وفي ساحة السباع الشهيرة وسط بغداد ولد التنظيم الطلابي الأول في العراق (اتحاد الطلبة العام) بحضور جماهيري واسع سمته الرئيسية هم اليساريون العراقيون، ومنذ ذلك التأريخ قبل ثلاثة وسبعين عاماً وهذا التنظيم الطلابي الجسور الذي ضم عشرات ألوف الطلبة يواصل نضاله الصعب في صفوف الطلبة مقدماً مئات الشهداء منذ العهد الملكي للعهود التي تلته.

وكان لواء المنتفك أو محافظة ذي قار، كما سمي فيما بعد ومركزها الناصرية واحداً من المراكز الرئيسية لنشاط الاتحاد، خصوصاً بعد قيام ثورة الرابع عشر من تموز عام ١٩٥٨، إذ تم إفتاح مقر الاتحاد الطلابي وسط المدينة، قرب حديقة غازي، وكان من نشطائه عبد الرزاق شناوة وحسن علي التركي وعزيز السيد جاسم وعدنان ملة عمران وعمران رشيد وغيرهم، وقدم خلال سنواته الاولى مختلف النشاطات الفنية والرياضية والجماهيرية، ولكن انقلاب ٨ شباط عام ١٩٦٣ الدموي، أجهض تلك النشاطات، وزج ناشطيه في السجون والمعتقلات.

وفي السبعينات وبعد قيام ما سمي بالجبهة الوطنية عاود الطلبة اليساريون نشاطهم الطلابي المستقل بعيداً عن الاتحاد الوطني لطلبة العراق التابع للبعث، فاكتسح التنظيم الطلابي (اتحاد الطلبة) الساحة الطلابية اكتساحا ساحقاً، رغم كل الاجراءات الإرهابية والقمعية التي مارسها الاتحاد السلطوي وأجهزة الدولة القمعية الأخرى.

فيما يلي مقابلة لعنصرين من نشطاء الاتحاد في تلك الفترة هما الرفيقان عباس حسن وأمير أمين لإضاءة بعض جوانب تلك التجربة.

كان سؤالي الاول لهما هو: في السبعينات برز دور اتحاد الطلبة بوضوح، وربما القول إنه اكتسح الساحة الطلابية في محافظة ذي قار، مع وجود اتحاد خاص بالطلبة لحزب البعث، ما هو تفسيرك لذلك، وبم تعلل اتساع جماهيرية الاتحاد؟

يجيب الزميل عباس حسن قائلاً : نعم اتسع نشاط اتحاد الطلبة العام في المحافظة، وكاد ان يشكل نسبة تزيد عن ٨٠ بالمئة من طلبة المحافظة، وأهم ميزة كانت فيه هي دقة التنظيم ورصانته وصلابة قياداته التي تشكلت مثلما يتشكل تنظيم الحزب الشيوعي العراقي(حشع)  وقريب من هرميته ، ويعزى التصاق الطلبة باتحادهم إلى تمسك الشباب في مرحلة المراهقة بشخصيتهم والاستماتة بالتمسك بمعتقداتهم، ولما كان للحزب الشيوعي من تأثير طاغ على الساحة الاجتماعية في تلك الفترة، فإن الاتحاد الطلابي هو الأقرب له، وقيادته من رفاق الحزب وأكثرهم يتثقف بالمفاهيم الماركسية، ونهاية كل كادر متقدم في الاتحاد هي الانتماء للحزب، اما اتحاد السلطة  فهو مقترن بالبعث المنبوذ اجتماعياً، والمنتمون له في الغالب هم من الطلبة القادمين من الريف ! ومن المهتمين بمصلحتهم الشخصية كالقبول في الكليات المخصصة للطلبة البعثيين وبالذات كلية التربية والكلية العسكرية وكلية الشرطة، وكذلك قبولهم في الاقسام الداخلية.

الزميل أمير أمين أجاب على نفس السؤال قائلاً: برز اتحاد الطلبة العام في العراق بنشاط متميز في جميع محافظات العراق في بداية السبعينات ولحين تجميده، أو حله بالتلويح بالقوة من قبل أجهزة النظام المقبور أواخر عام ١٩٧٥، وجاء هذا النشاط من خلال الجهادية العالية والحماس الكبير الذي تميز به الاتحاديون ومن الجنسين، أي الطلاب والطالبات، بحيث اكتسح الساحات الطلابية والشبابية وخاصة في مدينة الناصرية، ترافقاً مع اجواء الجبهة الوطنية وتحالف الحزبين الشيوعي والبعث، وغض النظر المؤقت عن عمل الاتحاد، الذي اتاح له الفرصة للتوسع الافقي والعمودي، وانتشار تنظيماته بشكل مذهل ويصعب السيطرة عليه، وكانت السلطة واجهزتها تراقب هذا النشاط بدقة، وتعد العدة لإجهاضه بأية وسيلة ممكنة لكنها لم تستطع قمعه بالسجون والتعذيب والطرق البوليسية المعروفة، بسبب أوضاع الجبهة والتحالف، فقامت بالضغط لتجميده ونجحت في ذلك، وبالمقابل كانت عناصر الاتحاد الوطني وعلى الرغم من المغريات التي تقدمها للطلبة تفشل دائماً في عملية كسب الطلبة وتوسيع تنظيماتها، وكان الطالب يخجل من اقرانه حينما ينتمي للاتحاد الوطني التابع للسلطة، فكانوا هؤلاء يحسون بالعزلة والاحتقار من الآخرين، بينما كانت تنظيمات اتحادنا تتعاظم في جميع الثانويات والمعاهد وبشكل صارخ، وكان طلابنا من النخبة المثقفة والمحبوبة في مدارسهم وفي داخل المدينة، بينما نرى أن اغلب المنتمين للاتحاد الوطني كانوا من ابناء الارياف المعزولين عن أي نشاط ثقافي او اجتماعي، وبصراحة كنا نعاني من توسع تنظيماتنا بهذا الشكل الذي يصعب السيطرة  عليه، لكن الأمور هكذا تسير في تلك الحقبة.

اما سؤالي الثاني فكان: اتذكر جيداً بروز دور الرفيق الفقيد (حميد مهلهل) في قيادة الاتحاد في المحافظة فترة السبعينات، إلى جانب عدد من الكوادر الطلابية الاخرى، هل تتذكر أبرز مميزات الرفيق الفقيد؟ كما برز الرفاق صبار نعيم وشقيقه على مستوى قيادة اتحاد العراق وهما كانا من تنظيمات الناصرية، واستشهدا ببطولة بعد ذلك، هل تتذكر نشاطهما في المدينة؟

يجيب الزميل عباس حسن قائلاً : برز الرفيق حميد مهلهل بمهامه من خلال انضباطه التنظيمي أولاً وصموده عند الاعتقال، حينما تعرض له وكان معه آنذاك الرفيق خلف جابر  ووحيد لغيوي وفيصل عبد الغفار وبعده الرفيق صبار نعيم، وقد عملت مع الاثنين، وكان الرفيق صبار ذا مقدرة تنظيمية ومقبولية بين الطلبة لهدوئه وسعة معلوماته، وكان مسؤولنا حينذاك الفقيد حميد مهلهل فهو سكرتير المحافظة، التي تتكون من ممثل لكل قضاء من اقضية المحافظة، وانا ترحلت إلى السكرتارية لأكون مسؤولاً عن مدينة الناصرية، بعدما كان مسؤولها الشهيد صبار نعيم، الذي غادر إلى بغداد ليصبح ممثل الطلبة الشيوعيين العلني في كلية التربية، أما شقيقه الشهيد جبار نعيم فلم تكن لي علاقة تنظيمية معه، انما صداقة فقط، ومن البنات كانت الرفيقات عواطف داود ومريم حيال وغيرهن من انشط الطالبات،  وبعد ذهاب الرفيق حميد مهلهل للدراسة في معهد المعلمين في البصرة، استلمت سكرتارية المحافظة واستلم الرفيق طه سلمان مسؤولية مدينة  الناصرية، واصبحت عضواً في ( مكتب الدباس ) وهو مكتب كان يقوم بالأشراف على الاتحاد في المنطقة الجنوبية، والتي تضم محافظات البصرة والعمارة وذي قار ، وكان مسؤولنا في بغداد الرفيق مهند البراك، وهناك التقيت بالشهيد صبار نعيم، وقد استمر عملي في هذا الموقع لمدة سنة،  بعدها نجحت وقبلت في المعهد الزراعي الفني في ابو غريب، وانتهت علاقتي باتحاد الطلبة الذي تعرض فيما بعد للحل.

الرفيق أمير أمين يجيب على نفس السؤال قائلاً: انا في الحقيقة لم أعمل بشكل مباشر مع الرفيق حميد مهلهل حيث لما تم تقديمي إلى مكتب وهيئة سكرتارية محافظة ذي قار، كان مسؤول السكرتارية الزميل عباس حسن وبعده استلمها الزميل طه سلمان، لكني عملت في اللجنة الحزبية القيادية في المحافظة، وكان أحد اعضائها الرفيق حميد مهلهل، الذي امتاز  بثقافة جيدة ووعي سياسي متطور، بالإضافة لكونه من العناصر الجهادية والمبدئية في العمل، فكان دائم الحضور وينشط ويحرك اجواء الاجتماعات بالنقاش الحيوي، وكان لديه حماس جيد جداً بالعمل، وعلاقاته مع رفاقه كانت جيدة، ويعامل معهم بمودة واحترام، ويبدي مساعدة لأي رفيق يحتاج اليها.

اما سؤالي الثالث فكان: ما هو دور اتحاد الطلبة الان، اي منذ سقوط النظام، مع علمي ان ليس هناك اتحاد طلابي منافس، بمعنى ان اتحادنا هو الوحيد صاحب التاريخ الطويل والتجارب الغنية؟

وقد اجاب الرفيق عباس حسن قائلاً:

عند سقوط النظام كنت من سكنة الحلة، وتوجهت للعمل الحزبي من أول يوم وساهمت مع الرفاق في افتتاح مقر الحزب في الحلة، عموماً شكلنا التنظيم بما فيه الاتحاد الطلابي، وكان واسعاً ووحيداً، لكن جرى اتباع نفس الاساليب السابقة في التنظيم، في الوقت الذي يعيش فيه الشباب ثورة التواصل، وعلى الرغم من ذلك ساهمنا بعقد مؤتمره المتجدد واضافة بعض المفاهيم المتجددة والمقترحة من الطلبة الشيوعيين، وكانت شكلية تخص التسمية وزيادة افق النشاطات الاجتماعية والمهنية، لكنها لا تتناسب والتطورات الاجتماعية السريعة والمعقدة، ولم نترك المساحة الواسعة  والاستقلالية في رسم سياسة الاتحاد للطلبة انفسهم ، اي انه استنساخ لما سبق، وللأسف كانت هناك اختيارات غير موفقة تدخلت بها الذاتية واحياناً المحسوبية، مما سرع  في ضعفه بعد أن تنامى بشكل واسع، لذلك أدعو لتوفير الاجواء الثقافية وبروح وطنية وتسهيل الاطلاع على المفاهيم المدنية، كما يجب فسح المجال للطلبة لاختيار طرقهم في التواصل والتنظيم، وعدم فرض صيغ قديمة، ومساعدتهم  بتوفير اجواء  اللقاءات  الامنة  ودعمهم  مادياً بالمستطاع ، والابتعاد  عن اسلوب التعليم الابوي المتسلط، والتأكيد على الاختلاط  وهو مفروض بحكم شبكة التواصل الاجتماعي، كذلك توفير  المسارح وامكنة العروض الفنية، بدون التدخل بمضامينها.

عرض مقالات: