للفرح دموعٌ كما للحزن، ودموع الفرح أكثر تأثيراً في المقابل وعند الآخرين!

هذا ما لمسته وأنا أقف أمام شاشة التلفاز بدموع تنهمر كالمطر، لا أعرف ماذا أصنع لحظة انطلاق صافرة الحكم معلنة انتهاء اللعبة، التي شدّت أعصابنا وجعلتنا متسمّرين ننتظر النهاية!

أصفّق وأبكي، أرقص وأبكي، أصرخ من شدّة الفرح وأبكي، صرت كالمجنون،ومعي الملايين من العراقيين الذين أتعبتهم سني الحزن والآلام المليئة بالخراب والضياعات المتلاحقة !

إنها لحظة لا توصف عاشها العراقيون ومَنْ يحبّهم من العرب والأجانب، لحظة عودة الروح إلى ملاعبنا، لحظة المدنية والجمال التي صنعتها البصرة بماركة بصرية عراقية حقيقية بلا رتوش!

اذكر في مباريات بطولة شباب آسيا عام 1977، كانت المباراة النهائية بين شباب العراق وشباب إيران واللعبة في طهران. لم يكن هناك انترنت ولا شاشات كبيرة وفضائيات، بل تلفزيون اسود وابيض في بيت خالي في جنوب الفاو، كنّا متحلّقين حوله ومشدودين إلى المباراة التي كانت قوية وصعبة جدا. وحينما سجّل اللاعب حسين سعيد الهدف الرابع دوت في المكان صرخة كبيرة مع التصفيق والرقص، لحظتها قفزت بكل قوتي الشبابية فاصطدمت أصابعي بالمروحة، وجرح إحدها .. لكنني لم أشعر بالألم من شدة الفرح!

وما حدث في ذلك اليوم حدث الخميس الماضي، حين صنعت البصرة فرحا لا يوصف، ومَنْ غيرك يا بصرة يصنع فرحاً كهذا؟!

رغم آلامنا وكثرة ضحايانا الذين راحوا قرابين لنصر لابدّ منه، كي تعود المدنية الى حياة الناس، وتنطلق المزاهر والدفوف والموسيقى في كل بقعة من بقاع الوطن مع الورود ورفرفة العلم العراقي عالياً زاهياً بهيّاً منتصراً دائما، (جينه رافعين أعلام .. بصراوي تلكانه) ..

يا لها من أهزوجة جعلت المدرّجات تتمايل طرباً لحظتها، رغم ضخامة الجموع التي لم تحصل على مقعد في المدرجات، بل لم تدخل الملعب وتوجهت إلى الساحات العامة وشارع الكورنيش وملعب الميناء والبيوت لتعيش تلك اللحظات، ورغم البرد والرطوبة والطين والضباب، كان الشباب ساهرين منتظرين دخول الملعب، يا لها من لحظات كبيرة وعظيمة لن يشعر بها إلاّ مَنْ عاشها!

البصريون عاشوا كل لحظة من تلك اللحظات من أول نفخة صافرة لحكم المباراة الأولى في اليوم الأول للبطولة، حتى النفخة الأخيرة التي أعلنت انطلاقة الفرح. لم تنم البصرة طيلة أيام البطولة ، كانت تسهر على راحة ضيوفها ( عين غطا وعين فراش ) ، لم تقعد على كرسي ، بل ظلّت واقفة تتحرك هنا وهناك تسأل عن ضيوفها واحداً واحدا ، بكلّ رجالها ونسائها وشيوخها وعجائزها وصبيانها وصباياها وشبابها وشابّاتها وأطفالها، سهرت على راحة القادمين إليها. رغم البرد والمطر كانت توزّع الابتسامة و( هله حبّوبي )مع الأكل والشرب والمسكن، لهذا صنعت فرحاً للعراقيين جميعاً ، فرحاً كنّا نحلم به وننتظره منذ سنوات !

على المسؤولين في كل المناصب أن يعوا ويدركوا ما لهذا الفرح من وقع في نفوس الناس كافة، وكم كان ضرورياً للعراقيين!

الفرح يصنعه الإنسان الحقيقي العاشق لناسه وأرضه والذي يشعر بحاجات الناس دائما. لهذا علينا السعي جاهدين إلى البناء والأعمار وتحسين الخدمات وإنهاء أزمات السكن والبطالة، وارتفاع سعر صرف العملات الأجنبية، كما علينا أن ننهي ملفّات الفساد الذي أكل الأخضر واليابس وجعل النفوس والأرض يبابا!

البصرة صنعت فرحا لا يضاهى، علينا أن نديمه ونجعله عنوان مسيرة عمل على مدار الأيام!

شكراً للبصرة وناسها الطيبين، وشكرا لكل من ساهم في صنع هذا الفرح، وشكرا للجمهور العراقي الوفي الذي أذهل العالم بحبه للوطن والناس، وشكرا للّاعبين ومدربهم الرائع.

عرض مقالات: