دخل مفهوم (سياسيو الصدفة) في الخطاب السياسي العراقي، شأن غيره من المصطلحات الدالة على طغمة الحكم الماسكة بالسلطة السياسية بعد عام 2003، ولم نجد له أثرا في القواميس السياسية واللغوية. وذلك بعكس كلمتي السياسي والصدفة، اللتين تصعب الإحاطة بكل منهما بالنظر الى كثرة تعاريفهما السياسية والفلسفية وسعة مفهوميهما. فلا يمكن وضع تعريف واحد للسياسة نظراً لتعدد اوجهها وتداخلها مع كافة مجالات الحياة، فيما شغلت الصدفة الفلاسفة كمقولة فلسفية، خاصة في ثنائيتها مع الضرورة.

ولم يولِ المشتغلون في مجال الفكر لمفهوم (سياسيو الصدفة) ما يتناسب مع حجم استخدامه في النقد السياسي اليومي، كما لم يتوقف الباحثون العراقيون عنده كونه يشكل ظاهرة  لعبت وتلعب دورا خطيرا في الوضع السياسي العراقي.

فلو سلط الضوء على أية شخصية من (سياسيي الصدفة)، وجرت دراستها من مختلف جوانبها، كذلك تحليل دورها، لاصطدمنا بالمضحكات المبكيات. حيث لا وجود لتاريخ سياسي  او إمكانيات فكرية او ابعاد ثقافية، ولا حتى لسمات قيادية. ولو وضعنا بعض معايير ومتطلبات الشخصية السياسية القائدة، لاكتشفنا بيسر افتقارها للمعايير وهوان متطلباتها. فمن بين متطلبات القائد السياسي، بين أمور أخرى، القدرة القيادية، وصنع السياسات، ووضع للخطط، والثقافة العامة والمعلومات المركزة في الثقافة السياسية، اضافة الى قدرة على التعامل مع الآخر، وامكانية التعبير عن الأفكار، والقدرة على كتابة الخطاب السياسي والحديث في المؤتمرات والمنابر الاعلامية المختلفة. كذلك ان يكون ذا فكر ناقد، وذا قابلية حفظ واستيعاب وتحليل ومتابعة  للأحداث وصنع لها، وان يكون متمكنا من مهارات الاتصال والتواصل، وان يتمتع قبل هذا بالصدقية، وبالرؤية الواضحة واسعة الأفق وبعيدة المدى لمصالح الشعب،  مما يمكنه من ان يضع في ضوئها برنامج عمل معلن.

ومما تقدم يبدو انه ينطبق بشكل عام على أية شخصية متنفذة من سياسيي الصدفة، لكننا نجده فارغا، سطحيا، يلازم الخطاب الطائفي، ساذجا في اطروحاته، هزيلا في حجته، رث الثقافة، مشين السلوك، مفسدا وفاسدا، يتصنع الكلام، ويزايد في المواقف، فاقد القيم، ناهبا للمال، لا يثبت في حزب، متغير الولاءات، يعرض نفسه لمن يشتري، غارقا في الرذيلة، مشوها للحياة السياسية، يصطنع لنفسه كاريزما، ولكونها مصطنعة فانها تأتي كاريكاتورية مضحكة. وتجده مغرورا حينما يكون في موقع السلطة، ضعيفا وذليلا خارجه، استعراضيا، منفوخا في الموقع فارغا خارجه، يلازمه الشعورالدائم بالنقص.

باختصار شديد، جعلت الحكمة الشعبية من (سياسيي الصدفة) صنوا للفاسد ودلالة عليه. ونماذج ذلك لا حصر لها، من النصابين والكذابين والخونة وأصحاب الولاء للخارج وصانعي الدسائس وناهبي الاموال وسارقي قوت الشعب والمتسترين على اللصوص، وكل من يستغل السلطة من اجل المال ومن يستثمر المال للوصول للسلطة، ومعهم كل من جعل المحاصصة منهجا للحكم.

عرض مقالات: