تتواصل الاعتداءات العسكرية التركية والإيرانية على  الأراضي العراقية، في انتهاك فظ لسيادة العراق وحرمة اراضيه، وترويع لمواطنيه والحاق الأذى بهم وسقوط ضحايا أبرياء.

وعلى مدى سنوات عدة لم يجر التصدي للاعتداءات، فيما تعلن الدولتان عن خطط  عسكرية وإصرار على المزيد من اللجوء الى القوة، واقامت تركيا قواعد عسكرية لها في أراضي عراقية،  رافضة الانسحاب منها رغم المطالبات المتعددة بذلك، وهي تسيطر على مساحات واسعة وتتحكم بالحدود العراقية الشمالية.

من جانب اخر وفي تطور ملفت أرسلت  السلطات الإيرانية قوات مدرعة الى الحدود العراقية كما تقول تقارير إعلامية، إضافة الى إصرارها على استمرار القصف بالصواريخ والمسيرات والمدفعية، لمحافظات إقليم كردستان، بذريعة مكررة عن وجود معارضة إيرانية كردية في الإقليم. وحقيقة الامر، كما هو معروف،  ان هذا الوجود ليس ابن اليوم، فهو في المنطقة منذ الثمانينات، فما الذي تغير اليوم؟ وهل هذا القصف يحمل رسائل سياسية في هذا الوقت، الذي بدات فيه حكومة السيد السوداني مفاوضاتها مع حكومة الإقليم لبحث الملفات العالقة بين الطرفين؟ ام هو لصرف الأنظار عما يجري داخل ايران منذ اشهر؟

من الواضح للمتابعين، وكما تنقل التقارير الإعلامية وتصريحات المسؤولين في تركيا وايران، ان الأوضاع الداخلية فيهما في حال حراك، وقد يختلف البلدان في تفاصيل أسباب تواصل مثل هذه الاعتداءات، لكنها في المحصلة انتهاك لسيادة العراق، والحاق للضرر بمواطنيه وتعريض حياتهم للخطر، إضافة الى ما تشيعه تلك الاعتداءات من قلق وهلع وحالة عدم استقرار وعدم ثقة بقدرة السلطات العراقية، الاتحادية وفي الإقليم، على حماية الحدود وصيانة الاستقلال والسيادة، وضمان حياة المواطنين وممتلكاتهم.

ومن المؤكد ان هذا لم يكن ليحصل، وان يتمادى الطرفان في اعتداءاتهما على هذا النحو، لو ان العراق كان في وضع اخر وتتوفر فيه عناصر القوة والمنعة والاستعداد والجهوزية لصيانة استقلال البلد وسيادته.

على ان القوة ليست وحدها الحاسمة في مثل هذه المواقف، ولكن يتوجب قبل كل شيء ان تتوفر الإرادة السياسية الحقيقية، والاستعداد الكافي لعدم المساومة على القضايا الوطنية ومتانة الموقف الداخلي. وبعكس هذا يجد المتابع ان في مواقف الحكومات العراقية بعد سنة ٢٠٠٥، الكثير من المجاملات والمساومات ومراعاة جوانب معينة في العلاقة مع ايران وتركيا، وهذا ما شجع الطرفين على تنفيذ خططهما داخل الأراضي العراقية.

نعم يتوجب احترام سيادة دول المنطقة والاقليم بصورة متبادلة، وإقامة العلاقات الطبيعية المتكافئة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية. لكن هذا يجب ان يُحترم من الأطراف كافة، وهو غير حاصل الان، فلم تتوقف  تلك البلدان لحظة واحدة عن  التدخل في الشأن الداخلي العراقي، وباشكال متنوعة.

ويتوجب هنا القول ان ليس كل اللوم يقع على تلك البلدان، بل ان لوما اشد يقع على الأطراف العراقية والكردستانية، التي لحسابات ضيقة ومنفعية خاصة بها، اما سكتت عن هذه التدخلات، او ان البعض اصبح محامي دفاع عن تلك البلدان، وراح يبرر ما فعلته تلك الدول وتدخلها العسكري وغيره، فيما البعض استمرأ إقامة مثل هذه العلاقات، لاستخدامها في الصراع السياسي الداخلي.    

ومن الواضح ان هذا كله قد ترك بصماته على الموقف العراقي، فلو كانت هناك إرادة سياسية غير انتقائية، واضحة، وتستند الى مواقف ثابتة للأحزاب والكتل السياسية، وإرادة شعبية داعمة ومساندة، لكانت حسابات الدول الأخرى مختلفة.

فمتى يتم توفير عوامل ومستلزمات  تفعيل موقف وطني شامل، لردع الاعتداءات ووقف التدخلات الخارجية في الشأن العراقي، والحفاظ على سيادة البلد وحرمة أراضيه ومياهه؟

عرض مقالات: