ما من غرابة في ارتفاع أصوات عتاة الفاسدين منددة بالفساد، ولا موجب للدهشة ازاء توالي تصريحات كبار الحيتان الفاسدة وهي تطالب بإنهاء هذا الملف، ولا للعجب حين يشدد المتنفذون المعروفون بفسادهم على ضرورة محاربة الفساد.

فقد تبدو مفارقة صعبة التصديق ان يتصدى للفساد رموزه الذين بددوا ثروات العراق ونهبوها، وكبار المتنفذين المتلاعبين بالمال العام واتباعهم أصحاب الدرجات الخاصة في السلم الوظيفي، المعروفين بعدم نزاهتهم، وتجار التعاقدات المشبوهة ومبتكري أكبر وأعقد حيل صفقات الفساد. 

حينما يحمل كبار الفاسدين لافتة محاربة الفساد، فهذا لا يعني انهم نادمون على ما اقترفت اياديهم من جرائم هائلة التداعيات على الاقتصاد والمجتمع، او انها صحوة ضمير دفعتهم لتبني هذا الموقف.

لقد رفعوا لافتات محاربة الفساد لا خشيةً من إجراءات هيئة النزاهة ولجانها، التي لم تحاصرهم ولم تبحث بأصل فسادهم، منذ اول يوم تولى فيه كل منهم السلطة. ولا ردا على السؤال: من اين لك هذا؟ ولا دعما للحكومة التي تَصدّر هذا الملف منهاجها الوزاري، الذي نأمل الا يكون بين آخر الاهتمامات. وليس لان التخمة بالأموال العامة المسروقة وصلت مداها. ولا خوفا من فعل الحركة الاحتجاجية، التي عجزت حتى الان عن ابتكار وسائل عملية لمحاصرة الفاسدين وفضحهم. هذه الحركة التي لم تلجأ الى طرق فعالة تجبرهم على اعادة ما نهبوا وهم صاغرون.

لا تندهشوا حينما تعلمون ان هدف رفع لافتة التصدي للفساد، هو الحفاظ على المال المنهوب، بعد ان تراكم كثيرا وصيّروه بالبهتان مالا خاصا، لا يجوز للحكومة ولا لمعارضيها الرسميين المطالبة باسترداده. مالا خاصا تحميه المحاصصة وتحفظه لهم مؤمنا لا خوف عليه، ما داموا ماسكين بقبضة سلطته. 

ولا تتفاجأوا عندما تكتشفون ان حملتهم ضد الفساد لا تطال أموال الفساد، التي تكدست عندهم ثروات هائلة. فجلّ ما يبتغون من ادعاءات تصديهم المزعوم، هو حصر جديد الفساد الذي أصبح قوة غاشمة، خارجة عن السيطرة، ولا يستطيعون ضبطها. وقد امست فضائحها اليومية تثير أسئلة لا نهاية لها، وغدا ثراء الفاسدين الجدد الفاحش، يستفز كل ضمير حي حريص على أموال العراق، وعلى منع استنزاف موارده نهبا وتهريبا بيد طغمة فاسدة، تحولت الى طبقة اجتماعية طفيلية مشوهة التركيبة الاجتماعية، كقاعدة للسلطة السياسية وحاضن لها.

فـ “الاولغارشية” في قلق من استمرار الفساد بالحجم الفلكي الذي كشف عنه أخيرا، مثل سرقة القرن وعمليات تهريب النفط، وغير ذلك مما سيتم الكشف عنه في قادم الأيام،  ومن ان يهدد ذلك نظامهم بثورة شعبية عارمة تهز اركانه، تُزعزع قبضتهم الممسكة بالسلطة منذ التغيير حتى الان باسم الشرعية الانتخابية. فيما يتخذ الكفاح الشعبي بعدا طبقيا مناهضا للطبقة الرأسمالية الرثة، التي كوّن اقتصاد الفساد أساس ثرائها، واستخدمته في احكام السيطرة على السلطة السياسية.

ان دعوات طغمة الحكم الى محاربة الفساد، لا تستهدف جذور هذا الفساد، وانما تقف حدودها عند ما ينمو من طفيليات الى جانب شجرته الخبيثة. وليس في جدولها محاكمة مؤسسي الفساد، فهي لا تحاكم نفسها، وان ما تحاوله ليس اكثر من إيقاف تمدد الفاسدين الجدد.

ان البرنامج الجذري للخلاص من الفساد، هو البرنامج الذي يستند على بعد طبقي، تتضمن اولوياته إزاحة الأقلية المستبدة (الاولغارشية) من السلطة، ومحاسبتها على سرقاتها وعلى التشويه الاجتماعي والأخلاقي، الذي نتج عن نهجها في الحكم.

عرض مقالات: