من أهم مقوّمات أي بلد يتطلع الى التقدم، نهوض التربية والتعليم وارتفاعها الى أعلى درجات النجاح والتطوّر.

كم كتبنا في هذا الموضوع ؟! وكم طرحنا من السلبيات والمقترحات والحلول للنهوض بهذا الواقع المتدنّي جداً لأهمِّ مفصلٍ من مفاصل حياة الأجيال الحالية والقادمة ، لكن بلا جدوى. فلم يسمعنا أحدٌ وكأن في آذانهم وقراً ، أو سمعونا ولم يعيروا أهتماما لما قلناه وكتبناه ، بل لم يتحرك أحدٌ لمعالجة ولو جزء من هذا التردّي الواضح والملموس في مجال التربية والتعليم. والسبب الرئيسي والأهم هو المحاصصة المقيتة والمصالح الفئوية الضيّقة والضمائر الميّتة، التي تبحث عن المنافع أينما كانت لترفع بها نسبة أرصدتها هنا وهناك، حتى بات المنصب الوزاري ووالدرجة الخاصة سلعة يتاجرون بها دون وازع من ضمير ، متناسين أن هذا المجال هو بوّابة المستقبل للجميع شعباً ووطناً. لكن مَنْ يسمع ، ومَنْ يقرأ ؟! والنفوس تحجّرت واعتلاها صدأ الخراب والفساد للأسف.

قبل شهرين بدأت السنة الدراسية الجديدة ، وعاد أبناؤنا إلى الصفوف بعد عطلتهم الصيفية ، لكنهم فوجئوا بعدم وجود الكتب المدرسية ، وتبليغهم أن يحصلوا عليها من الأسواق ، أو كيفما كان ، رغم ماعانوه من مرارة المتابعة الكترونياً خلال سنتي الجائحة ، عندما دخلوا الامتحانات وكانت بين حضورية والكترونية، فنجح مَنْ نجح وفشل مَنْ فشل. عادوا ليصطدموا بعدم وجود الكتب المدرسية هذه المرّة ، أو تأخّرها لحد الآن ، فما قيمة النجاح بلا أدنى معرفة ومعلومة ، أكثرهم لم يعرفوا كتابة حتى أسمائهم بالشكل الصحيح إملائيا ، وما فائدة النجاح المستمر والمعدّلات العالية جداً بلا أي معلومات ترفع من مستواهم العلمي والمعرفي ؟!

أغلب الطلّاب الذين وصلوا إلى الجامعات خلال هذه السنوات وبالمعدّلات الهائلة التي صدمت الجميع ، لم يستطيعوا فكّ الخط بالشكل الصحيح ، يخطئون إملائيا، واغلب الذين تخرّجوا من الجامعات منذ سنوات ولحد الآن اقتعدوا الرصيف بلا عمل ، وأن هناك من التلاميذ مَنْ لم يعرف أي شيء !!

حين تخرّج ابني في الجامعة قبل عامين جاءني قائلاً : ها قد حصلت على الشهادة الجامعية الثانية -  بكالوريوس بعد الدبلوم - أريدك أن تجد لي عملاً أو تعييناً لأستفيد من شهادَتَيّ في الأقل. وقفت أمامه صامتاً وحائراً والدمع يكاد يطفر من العينين ، بماذا أجيبه ؟! والبلاد لا يسودها غير الفاسدين المتحاصصين اللامبالين بها وبناسها للأسف ! 

في النهاية هاهو الآن يشتغل حارساً بشكل مؤقت أياماً وفي العمّالة أياماً أخرى  ، شاب في ريعان الشباب بعد أن درس وتعب واجتهد وحصل على شهادتين جامعيتين يقضي ليله ساهراً يحرس بيتاً ما ، ونهاره نائماً من شدّة التعب ، أيعقل هذا ؟! وأنا على يقين تام أن الكثير جدا من أبنائنا على شاكلته !

لهذا أقول : إذا بقي الحال كما هو عليه ، تردٍّ وخراب في التربية والتعليم بكل ميادينهما، ومحاصصة مقيتة ومصالح حزبية وفئوية ضيّقة في التعيينات وغيرها ، واستشراء فساد لا أول له ولا آخر، فلن ينصلح حال البلد أبدا ، بل سيمضي من سيءٍ إلى أسوء ومن تردٍّ إلى أكبر!

واكرر قولي : انتبهوا إلى الشباب، والأهم في التربية والتعليم ، لأنهم مَنْ سيبني الوطن ، وانتشلوهم من الضياع في خضمّ صراعاتكم التي جرجرت الوطن إلى الخراب والحضيض ، ولا تنسوا أنهم انتفضوا على هذا الواقع في تشرين وما يزالون منتفضين كلّما قدحت شعلةٌ ما ، وقد قدّموا المئات من الشهداء وهم مستعدون لتقديم المزيد اذا استمر تجاهل مطالبهم المشروعة!

عرض مقالات: