من الصعب جدا إحصاء ما نشر من تقارير صحفية ومقالات، وما أجري من لقاءات أو عقد من ندوات، حول مشكلة الزحام المروري الذي تشهده بغداد، وسبل علاجها. واللافت في الأمر، أن تلك المنشورات والندوات أجمعت على أن سبب الاختناقات المرورية يعود إلى النمو السكاني.

وبحسب النظرية السكانية المعروفة لمالثوس، فإن نفوس العالم تتضاعف مرة كل 25 عاما، إلا أن سكان بغداد تضاعفوا قرابة 3 مرات خلال الـ 25 عاما الأخيرة، وذلك بسبب الهجرة المستمرة من القرى والارياف والواحات الى العاصمة،بحثا عن فرص العمل وبقية مستلزمات الحياة غير المتوفرة في تلك الأماكن.

وأكدت تقديرات سكانية محلية، ان اكثر من 70 في المائة من نفوس بغداد الآن، هم من الوافدين اليها. 

وأمام مشكلة الاختناقات المرورية المتفاقمة، تطرح بين فترة وأخرى مقترحات لمعالجتها، لكنها غريبة في غالبيتها. فهناك من يدعو إلى الإكثار من الشوارع والأنفاق والمجسرات، أو بناء المزيد من المجمعات السكنية والمدن لصق بغداد. والأغرب من ذلك هناك من يقترح حلا في تنفيذ مشروع “القطار المعلق” الذي أنفق عليه حتى الآن أكثر من 3 مليارات دولار دون إنجاز!علماً ان الطاقة الاستيعابية للركاب في هذا القطار،تساوي في الغالب الطاقة الاستيعابية لـ 100 أو 150 مركبة، في الوقت الذي يبلغ فيه عدد المركبات في بغداد – بحسب تصريحات المكتب الإعلامي لمديرية المرور العامة – أكثر من مليونين ونصف المليون مركبة.

أما بالنسبة لشوارع بغداد، فطاقتها الاستيعابية تبلغ – حسب التصريحات المشار إليها - نصف مليون مركبة. 

وبناء على ما سبق ذكره من معطيات، نرى أن مشروع القطار المعلق لا يمكنه أن يعالج مشكلة الاختناقات المرورية بالشكل المطلوب، أمام هذا الكم الهائل من المركبات المتزاحمة في شوارع بغداد.

وفي العموم، نرى أن هذه الحلول المطروحة، لو نفذت على أرض الواقع ستكبد الدولة أموالا هائلة تكفي لاعمار مئات القرى والارياف والواحات خارج العاصمة، ورفدها بالخدمات والمستلزمات الحياتية ووسائل العيش المطلوبة، ما يشجع أهلها على العودة إليها مجددا، وبالتالي يؤدي ذلك إلى التخفيف من الضغط والكثافة السكانية التي تشهدها العاصمة اليوم.

إذن، الحل المناسب لمشكلة الزحام، وفق ما نرى، يبدأ من خارج بغداد وليس من داخلها!