يرى المفكر الماركسي الإيطالي غرامشي “ان كل البشر مثقفون بمعنى من المعاني، ولكنهم لا يملكون الوظيفة الاجتماعية للمثقفين). فالمثقف عنده، بحكم هذا التصور، لا ينحصر دوره في النشاط  الذهني الإبداعي وحسب، بل وفي الوظيفة الاجتماعية التي يؤديها، وكأنه يقول: ينبغي للمثقف ان لا يكون حياديا حينما يخوض شعبه الكفاح من اجل التغيير.  فالثقافة ليست حقلا حياديا، ولهذا يقتضي للمثقفين الالتزام بقضايا الشعب الأساسية التزاما عضويا وحيويا. فالمثقف هو المعبر عن هموم شعبه، والمدافع عن قضايا مجتمعه، والمتبني لمنهج بناء الدولة المدنية الديمقراطية، والمكافح ضد تسلط طغمة الحكم وإيديولوجيتها الطائفية.

تخشى طغمة الحكم هذا النوع من المثقفين، فهي تعرف نفوذهم وتدرك تأثيرهم، لذلك تحاول شراء بعضهم بأي شكل وثمن، فيما تحاصر العنيد المخلص لوظيفته الاجتماعية، الذي يرتبط بعلاقات عضوية بمجتمعه.  

نرصد للأسف ظاهرة تحول بعض المثقفين إلى مجرد متحذلقين وأدعياء معرفة، وهم بهذا يختزلون علاقتهم بمجتمعهم إلى مجرد شأن صوري خالٍ من كل فهم وإحساس. ومن هنا نستخلص الفارق بين المثقف التقليدي والمثقف العضوي، فالاول يعيش في برجه العاجي ويعتقد انه اعلى من كل الناس، ويتخذ دور المتفرج على الصراع الدائر بين طغمة الحكم بمشروعها المحاصصي التدميري من جهة، ومن جهة أخرى القوى المدنية الديمقراطية بمشروعها التنموي التنويري. وهناك من سخر قلمه لتزيين سلوك طغمة الفاسدين المشين. فيما يخوض المثقف العضوي الصراع من اجل التغيير، عبر الاندماج بالحياة العملية، والعمل مع جميع الساعين لترسيخ قيم العدالة والمساواة والحق في العيش الكريم.

 ما يدعو الى التفاؤل رغم شعور الخيبة الكبير عند النخب الثقافية التي تنازلت عن دورها التاريخي، هو اطلاق عدد من المثقفين المرتبطين بقضايا شعبهم، والحاملين هموم الفقراء والمحرومين والكادحين، مبادرتين. اولاهما كانت صياغة “وثيقة مبادئ تشرين” التي لخصت “المنطلقات العامة للتغيير الشامل من دولة الفساد والسلاح السياسيّ والطائفية والعنصرية والتهميش، إلى دولة الأمن والمواطنة والديمقراطية والعدالة والرفاهية”.  والمبادرة الأخرى هي اعلان “اللجنة الشعبية لحماية المال العام”،  والعمل بالممكنات للدفاع عن هذا المال، وتخليصه من انياب حيتان الفساد المتحكمين بالسلطة والثروة، والذين اشاعوا اقتصاد الفساد، ويتوجهون الى احتكار السلطة السياسية بعد ان لوثوا الحياة السياسية بالفساد،. الامر الذي يوفر لهم بيئة متخمة بالفساد، وملائمة للاستحواذ على ثروات طائلة من المال العام، يبذخون بانفاقها ويستخدمونها في اقذر الاعمال والغايات، بهدف احكام سيطرتهم على العراق وليقهروا شعبه. 

اولئك المثقفون الشجعان وموقفهم الباسل المتصدي، هم من يؤدي الوظيفة الاجتماعية للمثقف المنحاز للكرامة، والمتبني للعدالة الاجتماعية، والذي يُشيع الرقي والتحضر.

عرض مقالات: