(كَبُرَ أخي في عيوني .. صرتُ أباهي نفسي به ، وأدرك أن الطبع الذي في أخي لا يأتي على الفطرة وإنما على وعي وتربية وسلوك وبناء إنسان وإحياء مجتمع صادقٍ وأمين .. وبهذا الطراز من الناس يمكن أن تزدهر المجتمعات وتزهر الحياة !! ص82 )

في كتابه الرائع الموسوم ( دروس في العذوبة والعذاب ) ، يأخذنا الكاتب ( حسب الله يحيى ) في رحلةٍ تمتلك من العذاب الكثير وتتوشح بالعذوبة أكثر، عبر أيامه حينما كان فتى غضاً غريراً يعيش مع أمه وأبيه وأخواته الأربع وأخيه الشهيد (وعد الله يحيى النجار ) الذي أعدمته الطغمة الحاكمة بتاريخ 24 / 8 / 1964 ، حيث ظلّت حكايات وعد وتصرفاته وأقواله جرساً يدقّ في ذاكرة ( حسيب )كما كانت تطلق عليه العائلة !!

هذه الدروس التي جاءت على شكل حكايات وقصص وحوارات في البيت والعمل والسجن بين حسب وشقيقه الأكبر وعد الله ، التي استقى منها عِبَراً وحِكَماً اعتمدها في مسيرة لحياته فيما بعد ، حيث يقول في بداية الدرس الأول :

(دائماً ..هناك بذرة بكر تتنفس الأرض من خلالها ، مثلما ..هناك كلمة تصبح كما الوشم دائم الحضور في العقل والقلب والإحساس ، تبقى هذه الكلمة ..كما النجمة الأولى في سماء متّسعة مخترقة الظلام ، متجاوزة مساحة العتمة والسكون والغربة والأبعاد .. ص7 ) ، ونحن نمضي مع حسب الله عبر هذه الدروس نعرف أن كل ما يقوم به الآن أو قام به منذ تلك الأيام ولحد هذه اللحظة، هو من مقومات وتعاليم أخيه الشهيد في حياة ملؤها الإصرار على النضال والكفاح رغم كل شيء في سبيل حرية الإنسان وسعادته في الحياة. فوعد الله النجار الشاب الشيوعي المكافح والطامح إلى الحرية والسعادة، والحالم بوطنٍ حرٍّ وشعبٍ سعيد لم يكن أخاً لحسب فقط بل أخاً ومعلّماً وكوكباً درياً يتلألأ أمام عينيه ، وطاقة من الأفكار والأماني والأحلام والكبرياء والعزّة والشهامة في العمل والتعامل مع أسرته وأصدقائه ورفاقه والناس جميعا ، متحمّلاً كل عذابات الملاحقة والاعتقال والسجون والتعذيب ، ماشيا برأسٍ مرفوع وصدرٍ شامخ كالجبل ليعتلي خشبة المشنقة هاتفا بالموت للطغاة والخونة وبالحياة للإنسانية والفكر الحر !

عشرون درساً مثلما تعلّمها يحيى وحفظها وجعلها نبراسا يهتدي به في حياته فيما بعد ، أراد أن يوصلها لنا لنستقي منها، ولنتعلّم انه لا شيء أثمن من الإنسان ذاته ، انه رأس المال الحقيقي في هذا العالم، وعلينا أن نسعَى لتهذيبه وتعليمه وخدمته وتقدّمه.

 ومن هذه الدروس يصل إلى حقيقة مفادها : “المثقفون العراقيون من أكثر الفئات الاجتماعية تواصلاً مع الحزب ، وهذا يعني أن الفكر الماركسي الذي يتبناه الشيوعيون هو الأصلح لبناء المجتمع الحديث الذي يراد به تحقيق العدالة والرفاهية للجميع .. ص93 ).

لقد أخذنا حسب الله في كتابه ليعيد أخاه إلى الحياة بصوته وشكله وكلامه وتصرفاته وعلاقاته مع الناس .. وها نحن نعود معه أكثر من نصف قرن لنعيش حياة ملؤها النضال والكفاح والدروس والعبر الخالدة، كي نتعلم بعض ما تعلمه ونسير معا في طريق البناء الصحيح للناس والوطن !

عرض مقالات: