من المعروف في الاقتصاد أن القطاع السلعي غير النفطي المتنوع والمتجه للتصدير هو شرط ضروري للتنمية الاقتصادية بعيدة المدى بصفتها عملية تهدف اللحاق بالدول المتطورة، غير ان تجربة العراق التنموية أظهرت العكس فالتنوع في الاقتصاد بعيدا عن قطاع النفط شديد الصعوبة ويصطدم بعقبات ترتبط بما يسمى بالمرض الهولندي والبيئة الاجتماعية والسياسية المأزومتين والسياسات الاقتصادية المرتبطة بأنشطة الاعمال وانهيار القاعدة التحتية فضلا عن القدرات التقنية والتنظيمية المفقودة.

إن العراق حيث يعتمد على الموارد الطبيعية النفطية مصدرا للعملة الأجنبية وتمويل الانفاق العام اظهر خلال الفترة الماضية وتحديدا بعد عام 2003 ترددا غريبا في تنوع القاعدة الإنتاجية والصادرات غير النفطية وتباطؤا شديدا في الاستثمار في الصناعات التحويلية، ولهذا يمكن القول إنه فشل في الوصول بتلك الصناعات إلى امتلاك المقومات الذاتية في النمو مما أدى إلى فشل تجربة التصنيع ومن ثم التوقف. وقد بينت التجربة أن فاعلية الحكومات المتعاقبة خلال هذه الفترة وضوابط تنظيم الحياة الاقتصادية والنزاهة كانت كلها عوامل مفقودة.

إن الإحصاءات الرسمية المتاحة والمعلنة تشير إلى أن الطاقة الإنتاجية الحالية للنفط تبلغ 4،8 ملايين برميل يوميا لكنه مازال بعيد المدى عن الهدف للوصول بطاقته الإنتاجية إلى 8 ملايين برميل في اليوم  وحتى هذا الهدف هو في الواقع أقل من الهدف الذي حددته التراخيص النفطية للوصول إلى عشرة  ملايين برميل يوميا،  وهذه الأرقام تقودنا إلى حجم الطاقة التصديرية للبترول والتي تعد أساسا مأمولا لعملية التنمية الاقتصادية المستدامة،  ففي بيان لوزارة النفط العراقية فان الصادرات من النفط لشهر اذار من عام 2022 قد بلغت اكثر من مائة مليون برميل يوميا وبمعدل سعر وصل إلى 110 دولار وبإيرادات وصلت إلى اكثر من 11 مليار دولار محققة أعلى ايراد مالي منذ عام 1972 (سنة التأميم ) ويستهدف الوصول بطاقة تصديرية تصل إلى 3،4 مليون برميل في اليوم، وانطلاقا من هذه الأرقام  فان مجموع التدفقات النقدية السنوية لعام2022  شبه المؤكدة  ستصل إلى 120 مليار دولار وهو اعلى مورد وصلت اليه العوائد النفطية بعد عام 2012 حيث وصلت إلى 106 مليار دولار، واذا اخذنا بعين الاعتبار ان الموازنات السنوية تعتمد على اكثر  من 94 في المائة على الموارد النفطية فكيف ستخطط الحكومة العراقية للاستفادة من هذه الوفرة المالية المتحققة، مع العلم ان النفط سلعة عالمية وان أسعار البيع تتحدد بعوامل خارجية بالدرجة الأساس ومن الممكن اذا تحسنت الظروف الدولية الراهنة فان الأسعار ستأخذ طريقها للانحدار  ومن المتوقع تعرض الاقتصاد العراقي إلى ازمة جديدة لهذا من الضروري لمواجهة مثل هذه المخاطر فان الحكومة القائمة مطالبة بالعمل على الاستفادة من الوفرة المالية المتاحة والا فان التاريخ لا يرحم الحكومات الفاشلة .لذلك فان السياسة المناسبة للتعامل في مثل هذه الظروف من وجهة نظري تتطلب ما يلي :

1. اعداد استراتيجية اقتصادية مختلفة عن غيرها مدعومة بإطار تشريعي يكون الأساس لأي برنامج حكومي تعتمده حكومة نزيهة تشهر السيف بوجه كل فاسد ومستمرة على متابعة التنمية والإصلاح ابتداء بالقطاعات الخدمية وخاصة الصحة والتعليم بالاعتماد على منظومات اقتصادية حكومية في ضوء اهداف يمكن قياس نتائجها في رفاهية الشعب.

2. الاتيان بحكومة نزيهة في اعقاب معالجة جذرية للازمة السياسية تتسم بأعلى درجات النزاهة والكفاءة تتولى اعداد موازنات سنوية من خلال إعادة النظر بهيكلية النفقات والاستفادة من الوقورات المالية والتوجه نحو الاستثمار وتخليص المجتمع من السلوك الاستهلاكي وتنظيف الجهاز الحكومي من امراض الفساد المتفشية.

3. تنويع قطاعات الإنتاج وإعادة النظر في نظام التوزيع لأجل تقليص الفوارق الطبقية ومراجعة سعر الصرف لانتفاء مبررات خفض قيمة الدينار التي أصبحت من الماضي المتمثلة بجائحة كورونا وتدهور اسعار النفط.

4. حماية الوفرة المالية من محاولات الاستحواذ عليها من قبل الطبقات الطفيلية التي تنشط خارج قطاع الإنتاج والتي تحقق مكاسبها من دعم الجهاز البيروقراطي الفاسد.

عرض مقالات: