تستهدف الحكومات النزيهة المنتخبة شرعيا والتي تمتلك رؤيا منهجية نحو بناء اقتصاد وطني بالأساس اعتمادا على موارده المتاحة وقواه الحية، قائم على التنمية المستدامة لتحقيق مستوى من الإنتاج يكفي لمواجهة الطلب الاستهلاكي المحلي كليا او جزئيا حسب العوامل الإنتاجية المتوافرة والامكانيات المتاحة ماديا وتخطيطيا والتقليل بالمستوى الأدنى من الاستيراد وفقا لحاجات المجتمع ومتطلبات السوق.

   ويجدر هنا التذكير بالمبادئ الأساسية التي وضعتها إدارة الاحتلال التي اريد بها ان تكون منطلقا لإنشاء بنية اقتصادية مختلفة عن سابقتها في الشكل والمحتوى فأسست لاقتصاد مفتوح في بلد عصفت به الحروب وخربت قاعدته التحتية. وبناء على تلك المبادئ سيئة الصيت عملت الحكومات المتعاقبة للعمل بروح تلك المبادئ، وأولى ملامح السياسة الاقتصادية الجديدة  اتباع سياسة استيرادية منفتحة وممنهجة، وأول خطوة في هذا المسار الانتماء إلى منظمة التجارة الدولية حتى اخذت تلك السياسات تؤتي ثمارها فقد بلغت استيرادات العراق في عام 2004 اكثر من 21 مليار دولار ووصلت في عام 2020 إلى 41 مليار دولار ليكون مجموع مبالغ الاستيرادات خلال هذه الفترة إلى 758 مليار دولار، غير ان  إحصاءات وزارة التخطيط على سبيل المثال تشير إلى أن  قيمة الاستيرادات في عام 2020 بلغت 15 مليار دولار استنادا إلى تصريحات هيئة الكمارك  في حين ان المباع في نافذة البنك المركزي تشير إلى ان كمية المباع  44،085  مليار دولار حسب اعلان البنك المركزي  وبهذا يكون الفارق بينهما 29 مليار دولار مع العلم ان النافذة مخصصة لبيع الدولار للقطاع الخاص فاين ذهب هذا الفرق ؟ واذا افترضنا ان معدل قيمة الاستيرادات السنوي وفق الرقم المتقدم فان مجموع قيم الاستيرادات خلال الفترة 2010- 2020 ستكون 150 مليار دولار وهي ارقام مشكوك بدقتها فان الفارق بين هذا المبلغ ومجموع مبيعات البنك المركزي خلال نفس الفترة والبالغة496،916 يصل إلى 346،916 مليار دينار.

   ان هذه الأرقام الصادمة تدخل الباحثين في حالة من الرعب والدهشة لأنها توفر استنتاجات مؤكدة ان الثروة العراقية مسروقة في ضوء النهار بدون وجل او تردد  وان الفوارق بين قيم الاستيرادات ومبيعات البنك المركزي قد أسهمت وفقا للسياسات الحكومية في صناعة طبقة كامبرادورية تحكم قبضتها على التجارة الخارجية  وعبر عمليات تهريب العملة وغسيل الأموال تحولت إلى طغمة اوليغارشية لها القدرة في التحكم بوجهة الاقتصاد العراقي والتحول إلى منظومة فساد ولادة للازمات الاقتصادية والاجتماعية وانسدادات سياسية وضعت حياة العراقيين على المحك وزادت من حجم الفقر وانتهت بالفقر المدقع إلى البحث في اكوام القمامة، ويمكن في نهاية الامر القول إن بنية الاستيرادات السلعية تتحكم بها ثلاثة عوامل عدا ما ذكر تتلخص بالسياسة التجارية التي اورثها الحاكم الإداري الأمريكي وهيكل الحماية التي تتلخص بالتشريعات الصادرة في اعوام 2010 ووضعتها الحكومات المتعاقبة على الرفوف فضلا عن مستويات الأسعار العالمية المشوبة بالتضخم الذي يستورد عبر التجارة الخارجية.  وللخروج من الامراض التي تواجه سياسة الاستيراد اقترح التالي:

1. وجوب مراجعة شاملة للاختلالات في الميزان التجاري وأداء الخطط التنموية في قطاعات الصناعة والزراعة وبقية قطاعات الاقتصاد برؤيا مختلفة تضع في حساباتها مراجعة أداء الدوائر الضريبية والكمركية عبر إجراءات حازمة وإعادة النظر جذريا بنافذة البنك المركزي عبر تغييرات في إدارة النافذة وتنظيفها من الادران الفاسدة والتعامل مع المصارف بطريقة مختلفة عبر اعتماد الطرق التكنولوجية في ضبط ومراقبة أداء النافذة وابعاد المصارف التقليدية المهيمنة على مشتريات النافذة.

2. تفعيل التشريعات واللوائح القانونية المتعلقة بحماية المنتج الوطني وابعاد السوق عن سياسة الإغراق وإعادة النظر بسياسة الانفتاح المنفلت على الأسواق العالمية وفقا لحاجات السوق بما يلبي مستوى الأداء وبنفس الوقت تفعيل قانون الاستثمار في قطاع التصفية والتخلص نهائيا من استيراد المنتجات النفطية.

3. بذل اقصى الاهتمام بالطاقات الخزنية وتوسيع الطاقات الخدمية للنقل والمواصلات والارتقاء بجودتها بهدف معالجة الاختناقات التي تعترض تلك الطاقات وتؤثر بحركة التوزيع.

عرض مقالات: