أتابع منذ مدة، باهتمام بالغ المولات المنتشرة في طول الوطن وعرضه، والتي تتزاحم فيها البضاعة الأجنبية المغرية، لتوجه الضربة القاضية لمنتجنا الوطني. وأنا أتبضع في مراكز التسوق تلك، أتفحص منشأ وتاريخ إنتاج المادة الغذائية قبل شرائها، خشية أن تتعرض عائلتي للتسمم. لكن المشكلة العظمى هي قيام بعض أصحاب تلك الأسواق بتصنيع منتجات ألبان ومواد أخرى تدخل فيها اللحوم، وهذه تكون معرضة للتلف سريعا في ظل سوء الحفظ وكثرة انقطاع التيار الكهربائي، ولحفظها في أماكن لا تتوفر فيها الشروط الصحية وتبتعد عنها عيون الرقابة، ما يكون المنتج غير خاضع للتقييس والسيطرة النوعية، وبلا علامة تجارية حتى!

ويبدو أن الفاسدين والمهربين المحميين من قوى نافذة، قلبوا قول كارل ماركس الشهير: “الإنسان أثمن رأسمال”، فباتوا لا يكترثون لحياته، يدمرون اقتصاده الوطني في زمن غابت فيه الدولة وتفسخت مؤسساتها. لذا ليس غريبا أن يكون الإنسان رخيصا من منظور الطغمة السياسية الفاسدة!

وللطرافة، شاهدت قبل فترة فيلما مصريا للفنان الكوميدي محمد سعد، يجسد فيه دور موزع للحوم لدى صاحب محل الجزارة الممثل حسن حسني. إذ ان الأول كان معترضا على توزيع شحنة لحم فاسدة مستوردة من شرقي آسيا، فحثّه الآخر على تصريفها سريعا، وقال: “وزع اللحم في زمن قصير، فالمواطنون خلال أسبوع سيأكلونه ويهضمونه ولا من شاف ولا من دري”!

معلوم أن في كل بلدان العالم، تخضع عمليتي التصدير والاستيراد لشروط تقرها سياسة الحكومة الاقتصادية. فالتجارة بالمواد التالفة خطر يهدد المستهلك ويضر ببنية الاقتصاد الوطني. لكن الأمر شديد الخطورة، هو ان السلع التي يستوردها العراق من الخارج بالعملة الأجنبية الصعبة، لا تكون وفق دراسة الجدوى، إنما وفق مصالح القوى المتنفذة التي عمدت الى تدمير الصناعة والزراعة حتى أوصلت بلد النفط للحد الذي بات فيه يستورد البنزين!

وللتذكير، سأورد هنا خلاصات بعض التقارير الإخبارية الصادرة عن دوائر الرقابة الصحية العراقية العاملة مع الأجهزة الأمنية في عمليات ضبط المواد التالفة. ففي 28 شباط 2018، تم إتلاف 20 طنا من الزيت النباتي مجهول الهوية، وفي 4 أيلول 2019، ضبطت هيئة النزاهة 843 طنا من البروتين الحيواني منتهي الصلاحية في مخازن زراعة بابل. 

كذلك أتلفت المنافذ الحدودية في ميناء أم قصر، يوم 17 تموز الفائت، 10 حاويات تحتوي على مواد غذائية منتهية الصلاحية. وضبطت صحة كربلاء وأتلفت 10 أطنان من الطرشي غير صالح للاستهلاك البشري في قضاء الهندية. أما صحة بغداد، فقد ضبطت خلال جولة لها بتاريخ 12 أيار 2020، 48 طنا من مواد غذائية غير صالحة للاستهلاك.

هذا جزء بسيط مما يستهلكه آلاف الناس يوميا، من المواد الغذائية الفاسدة، في وقت لا تزال فيه المنافذ الحدودية تستقبل مئات الشاحنات، ولا نعلم إن كانت تخضع للفحص الدقيق أم لا!

بعد 2003 أصبح العراق سوقا مفتوحة للبضاعة المستوردة الفاسدة والمسرطنة، دون محاسبة قانونية للذين يستوردون تلك المواد، والذين لا يهمهم سوى تحقيق الربح.  ان القانون العراقي يعتبر هذا الفعل جريمة تخريب للاقتصاد الوطني، ويذهب أبعد من ذلك حينما يعتبره جريمة مخلة بالشرف. وقد حدد عقوبة مرتكب هذه الجريمة بالإعدام أو السجن المؤبد أو المؤقت أو الحبس مدة خمس سنوات، بالإضافة إلى دفع الغرامة. كما أعطى المحكمة حق مصادرة أموال المحكوم عليه بما يتناسب وجسامة الضرر

عرض مقالات: